الدولة لا يمكنها الإفلاس
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
جمال البنا... الصوت الخافت في زمن الضجيج

نعم، هو الأخ الشقيق لحسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر والعالم، لكنه أيضاً، ابن جيل الثورة، ابن حلم النهضة، "ابن الفكر" كما يصف نفسه... جمال البنا، أحد أكثر الشخصيات إشكالية في العالم العربي والإسلامي... وأكثر الشخصيات إثارة للدهشة والتساؤل، ليس بسبب خلفيته العائلية، التي ترتبط بأول الجماعات الإسلامية التي دخلت حلبة السياسة، متسلحة بالدين، بل بسبب آراءه التي فتحت عليه النار من كل صوب، من اتهامه بالعمالة وصولاً إلى طلب رجمه.
مع ذلك، يبدو أن ابن الثمانية والثمانين عاماً، ما زال مصراً على خوض المعترك، وهو المعترك الأصعب على الإطلاق، معترك الإصلاح الديني.

ولد "جمال البنا" عام 1920 في محافطة البحيرة لأسرة شملت ستة من الأخوة ونشأت على دراسة الدين، فوالده هو الإمام "أحمد جمال الدين عبد الرحمن البنا" وشقيقه الأكبر الإمام "حسن البنا" المرشد المؤسس لجماعة "الإخوان المسلمين".... عائلة جمعت في رحمها شقيقين لكل منهما منهاج وتصور مختلف للنهضة والإصلاح!
لم يعمل والده بالزراعة كباقي إخوته، درس علوم الدين وله عدة كتب في الفقه، أما عمله الأساسي فكان في تصليح الساعات، وعندما ظهر "الجرامافون" اتسعت تجارة الوالد لتشمل الساعات والأسطوانات، وهكذا دخل الفن إلى جانب الدين في حياة هذه الأسرة، فكان أخوه عبد الرحمن يكتب الشعر، ويعزف على آلة الربابة والعود، فيما كان الأخ عبد الباسط مؤلف أغاني، وكما يقول البنا "كان هناك جو من الحرية والليبرالية والديمقراطية داخل الأسرة. لا أحد يحجز على فكر الآخر".

كبر جمال في جو متشبع دينياً، لكنه منفتح على الثقافة الجديدة، والصحافة الناقدة، كتب البنا مستذكراً طفولته، فكانت الذاكرة أسيرة مكتبة والده التي كان يلعب في أرجائها، لكن ما لفت انتباه الطفل ابن الثامنة، كان الروايات الغرامية والبوليسية المسلسلة التي كانت تنشرها "الأهرام" ومجلة "الأمل" التي كانت تصدرها "منيرة ثابت"، وهي أول سيدة أصدرت صحفا في مصر، ودعت فيها لتحرير المرأة ودخولها في مجال العمل والسياسة إلى جانب الرجل.
أصدر كتابه الأول وهو شاب لم يتجاوز بعد الخامسة والعشرين (سنة 1945)، وتوالت كتبه بعد ذلك لتنادي بالحرية الفردية، وحتمية الفصل بين الدين والدولة، وهو الفكر الذي يناقض ما دعا إليه شقيقه الأكبر "حسن البنا" المؤسس لجماعة "الإخوان المسلمين"!
كان الزمان في الثلث الثاني من القرن العشرين، وكان نجم الشيخ حسن البنا لامعا يخلب الأبصار، وكان جمال البنا، آخر العنقود، شابا يافعا ما زال يتحسس أقدامه في الفضاء العام الذي ملأه شقيقه وشغل فيه الناس بجماعته، الإخوان المسلمين، الصاعدة إلى بؤرة الضوء والحدث.
وفي تمرد واضح، أسس جمال البنا حزباً خاصاً به، لم يكن أكثر من بضع عمال وموظفين وسماه حزب العمل الوطني الاجتماعي عام 1946 فقال له أخوه أنت تتعب نفسك وتكدح في أرض قاحلة، في حين أن لدينا في الإخوان حدائق مثمرة والفاكهة تتساقط وتحتاج لمن يأخذها ويحفظها ويصونها فتعال، فقلت له أن شجر الإخوان يثمر ثماراً لا أريدها، ويذكر البنا أن أخوه تقبل الأمر برحابة صدر، رغم أن الناس بقيت مندهشة أن أخ الإمام له جماعة خاصة به.
اغتيل الإمام حسن البنا بعد ذلك بفترة وجيزة، ورغم دعوات الكثيرين لجمال أن يكمل طريق أخيه، إلا أنه أبى، فقد كان هناك طريق آخر ينوي شقه، وهو طريق بقي فيه وحيداً لفترة طويلة، لا يجد آذانا تصغي إليه، وبدا أنه ليس له مكان في هذا الصخب حتى اليوم.
وحتى اليوم لا يبدو أن جمال البنا قد حسم أمره، في الشخص الذي يمكن أن يكونه ما بين السياسة والثقافة والدعوة أو حتى الخدمة الاجتماعية، فقد قدم للمكتبة العربية أكثر من مائة كتاب تراوحت مواضيعها بين شتى المجالات، لكنها بقيت خطاً منفرداً قلما تجرأ آخرون على إتباعه.
ومن حزب العمل الوطني الاجتماعي الذي لم يلبث أن تفكك إلى جمعية اجتماعية (الجمعية المصرية لرعاية المسجونين وأسرهم)، حتى الوصول إلى العمل العمالي.
عندما كان البنا، بلا عمل، عينه أخوه مديراً لمطبعة الإخوان عام 1939، لكن هذا العمل لم يقربه من الفكر السلفي، بقدر ما جعله على صلة بعالم النشر والطباعة والكتابة، وعندما كان معاون الدار الشيخ عبد البديع صقر، ينادى على الصلاة، كان جمال يقول له "دعني فإن العمل عبادة".
اتجه الشاب صوب الشريحة التي خرجت أو أُخرجت من ميدان الاستقطاب السياسي والديني، أي العمال، فكتب جمال البنا وترجم في التاريخ النقابي المصري والعربي والعالمي، والحقوق النقابية، والمشكلات النقابية والثقافة العمالية، وكتب عن الحرية النقابية، وعن العمل وله فيه كتابه المعروف "تعميق حاسة العمل في المجتمع الإسلامي"، كما كتب عن عقيدة وفلسفة الحركة النقابية وعلاقتها بالإسلام، محاولا التأسيس لمنطلق إسلامي في دعم الحركة النقابية والعمالية.
وقام بالتدريس في معظم معاهد ومؤسسات العمال في العالم العربي وشارك في تأسيس عدد منها؛ فقد عمل خبيرا بمنظمة العمل العربية، وشارك في تأسيس معاهد الدراسات النقابية والعمالية في مصر والجزائر والعراق، وكذلك الجامعة العمالية في مصر، وشارك في صياغة مواد ودساتير عدد من المنظمات والنقابات العمالية العربية مثل النقابة الإسلامية العامة في الجزائر، نقابة شركة طيران باكستان، دستور منظمة العمل الدولية وغيرها، وقد توج هذا كله بتأسيس الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل في جنيف 1981، ليقف رابعا في العالم مع الاتحاد العالمي للنقابات في براغ الذي يمثل الرؤية الاشتراكية، والاتحاد الدولي للنقابات الحرة في بروكسل الذي يمثل الرؤية الرأسمالية، والاتحاد المسيحي للعمل في لاهاي الذي أعيدت تسميته إلى الاتحاد العالمي للعمل.
وكانت النقابية والعمالية في تصور الحركات الإسلامية المعاصرة أقرب إلى أعمال الشيطنة؛ باعتبارها جزءا من العقيدة الماركسية إلى أن جاءت كتابات البنا لتنفي تعارض النقابية مع الإسلام؛ بل وتؤكد حث الإسلام على النقابية ونجح في أن يقدم مفهوما إسلاميا جديدا للعمل، أعلى فيه من منزلة العمل، وسعى لصياغة نظرية إسلامية متكاملة لعلاقات العمل.
لكن أفكاره الاجتماعية السياسية عن العمل، لم تلق كثير من التجاوب، كونها لا تندرج في الاستقطاب التقليدي بين الإسلاميين واليساريين، وظلت أفكاره في هذا المضمار، بعيدة عن التأثير الفعلي في حياة العمال، كونها لم تأخذ شكل التنظير والتأطير السياسي.

كان لأخته فوزية دور كبير في تشكيل أفكاره، وهو الذي يقول أن مساعدتها له في تأسيس مؤسسة "فوزية وجمال البنا" للثقافة والإعلام، ضمنت له استقلالية عن المؤسسات السياسية والدينية، وهو يصر على وضع صورة شقيقته فوزية في غرفة مكتبته حاسرة الرأس، كدلالة على الحرية التي سادت بيت العائلة ومصر آنذاك.
ويكتب البنا في تقديم كتابه المعنون بـ "الحجاب" معتذرا لـ "الملايين المجهولة من الخديجات والفاطمات والزينبات والعائشات" فيقول: "أرادهن الإسلام شقيقات للرجال أولياء بعضهم لبعض يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر، وجعلهن الفقهاء عورات سجينات البيوت مكسورات الجناح محرومات من الحرية والمعرفة والعمل . فعشن مقهورات ومتن وفي النفس غصة".
ومن هنا يمكن أن ننطلق لآراء جمال البنا عن المرأة، الأكثر إثارة للجدل، لتصادمها مع معظم الاجتهادات الفقهية، فمثلاً، يرى البنا أنه "لا حاجة الآن للحجاب لأنه يعوق المرأة عن حياتها العملية، وأن شعر المرأة ليس عورة ولا يوجد أبداً في الكتاب والسنة ما يقول ذلك"، ويضيف: "الحجاب فُرض على الإسلام ولم يفرض الإسلام الحجاب"، مشيرا إلى أن المجتمعات الذكورية التي تخصص المرأة للبيت فقط هي التي تلح على هذه النقطة، ويؤكد جمال البنا أن الحجاب أبدا لم يكن عقيدة أو شريعة بل مجرد عادات، "إنه موجود من قبل الإسلام بألفي عام"، ويرى أنه، وما دامت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد غيرت من وضع المرأة، فذلك يستدعي تغيير المفاهيم بشأنها، ويقول: "لا أجد داعيا لإثارة موضوع الحجاب مع الغرب بين الحين والآخر، إنها منتهى الحماقة، فضلا عن أن ذلك يتنافى مع أهمية أن يتعايش المسلمون مع المجتمعات التي يقيمون فيها، وإلا فما الداعي لمعيشتهم فيها، عليهم أن يعودوا لبلادهم الأصلية".
ويرى أيضاً بأن الاختلاط ضرورة، ومن الطبيعة والفطرة لأن الفصل بين الجنسين عملية وحشية متسائلا:
كيف نعزل وزيرة عن بقية الوزراء لأنها أنثى؟"، وبخصوص الطلاق يرى البنا أنه "لا يجوز مطلقا للرجل أن يطلق منفردا، لأنه تزوج بصفة رضائية، ولكن أن يقوم بتخريب بيتها وتدمير حياتها ويحرمها من أولادها فهذا منتهى الإجرام والظلم، وبالتالي مهما حلف بالطلاق من الصباح حتى المساء فهذا لا يعد طلاقا".
وربما تكون أكثر آراءه التي أحدثت دوامة من الاستياء، إجازته للمرأة بأن تؤم الرجال في الصلاة إذا كانت أكثر علما بالقرآن، يقول: "الإمامة عملية تحتاج إلى مؤهل وليست حقا فطريا، وقد جعل الرسول (ص) صبيا يؤم قومه بمن فيهم الشيوخ لأنه كان أعلمهم بالقرآن، وجعل مولى (أي عبداً) يؤم الصحابة كلهم وكان من بينهم أبي بكر وعمر فإذا كانت المرأة أعلم ممن تؤمهم فهي أحق بالإمامة".

أما أهم كتابات البنا فهي حسب الباحث البارز حسام تمام، مشروع نحو فقه جديد في ثلاثة أجزاء، الذي يعيد فيه تعريف الإجتهاد، ويحارب السلفية ويصمها بـ "التخلف".
وأول ما يفعله جمال البنا، في مشروعه الذي يقدمه كثورة شاملة على الفقه الإسلامي المستقر، أن يعيد تحديد مصادر الفقه الجديد؛ فيستبعد الإجماع الذي يراه خرافة لا يمكن أن تتحقق، ويعيد تعريف الاجتهاد فيراه مطلقا بلا قيد ثم يستبعد بقية المصادر الأخرى الفرعية للفقه مثل سد الذرائع الذي اعتمده الحنابلة حيث يراه عامل حجر وتضييق وعنت.. وينتهي به الحال إلى الاقتصار على النصوص الدينية فقط مصدرا رئيسيا للفقه.
وهو حين يتحدث عن النص يعيد تعريفه؛ فيبدأ بحصره في القرآن ثم السنة "الصحيحة"، والسنة الصحيحة هي السنة التي ثبتت، وترفض معايير البنا الجديدة أحاديث الغيب والمغيبات من الموت حتى القيامة والحساب، وكذلك أحاديث فهم المبهم من القرآن أو نسخه، والأحاديث التي تخالف أصولا واضحة فيه، وتلك التي لا تساوي بين الرجل والمرأة في أي شيء حتى الميراث والطلاق، ويرفض كذلك أحاديث المعجزات النبوية، والأحاديث التي تنسب فضلا لأحد، أو التي تخالف مبدأ الحرية المطلقة للعقيدة، أو تشرع ما لم يأت به القرآن (كالرجم مثلا)، والتي تعد بثواب أو عقاب مبالغ فيه في رأيه... وأخيرا التي توجب طاعة ولي الأمر.
وهو بهذا المنهج يضرب في الصميم قلعة الفقه "القديم"، وبهذه الآلية يعيد البنا النظر في أصول الفقه؛ فيدخل عليها بالحذف والتعديل والإضافة كذلك؛ فيقدم أصلا ثالثا يسميه "الحكمة"، فهو يرى أنه "إذا كانت العقيدة ثابتة فإن الشريعة متطورة ومتغيرة ومتحولة؛ لأنها تصدر لمصلحة أو لحكمة أو لعلة"، وقد أعلن أكثر من مرة أن الفكر الإسلامي، لم يستطع أن يجاوز العقبة الكبرى.. وهي الفكر السلفي الذي وضعه الأئمة منذ ألف عام. ويضيف "كان هؤلاء الأئمة عباقرة ومخلصين ومؤمنين، ولكن ليسوا ملائكة، وكانوا في زمن صعب، فلا داعي لأن نتعبد بهذه الأحكام حتى الآن".
وترجم رؤيته للفقه الجديد، في جملة من الآراء الفقهية في الفن والمرأة والحكم والسياسة والاقتصاد وكل مجالات الحياة لا تقل إثارة للجدل؛ فهو يوافق مطلقا على فوائد البنوك إن كانت للمودع، ويربطها بعدم الاستغلال إن كانت للمقترض، ويرفض حد الردة، ويقول: "القرآن فيه حرية الفكر والاعتقاد على مصراعيها "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، القرآن ذكر "الردة" مرارا وتكرارا فما رتب لها عقوبة دنيوية، وفي أيام الرسول (ص) ناس ارتدوا فما استتبعهم بعقاب، فلما جاء الفقهاء عملوا عكس ذلك".
وهو أخيرا يرفض أي دور للدين في الدولة التي يجب أن تستبعد الدين تماما من النظام السياسي، وتقيم السلطة برمتها على أساس مدني، رافضا بذلك أطروحة الدولة الإسلامية، فهو يقول: "الإسلام دين وأمة وليس دين ودولة".. والفارق بين الأمة والدولة في بساطة هو أن "الأمة" هي الشعب والمجتمع، في حين أن الدولة هي الحكومة والسلطة، ويضيف: "ما أبعد المسافة بين القوة والقيم، وما بين السلطان والقرآن. فإذا اجتمعا مع بعضهما، ضروري أن تفسد السلطة الحقيقية.. ضروري أن تستغل السلطة الدين".
عاش جمال البنا أكثر من نصف حياته في أوروبا، وكان هذا مدعاة لاعتبار أفكاره تصب في العمالة للغرب، والهجوم على الإسلام، خاصة أنه لا يخف إعجابه بالحضارة الغربية، وقد سئل ذات مرة "لماذا يعجز المسلمون عن توضيح صورتهم الحقيقية لدى الغرب مثلما حدث في الرسومات الكارتونية؟" فأجاب "لأن عقليتهم مختلفة كل الاختلاف عن العقل الغربي، هم لسه عايشين في عشرة قرون ماضية، ومايعرفوش أي حاجة عن الحضارة الأوروبية، فازاي يتكلموا؟! لما يكون فيه طفل صغير، يعرف يكلم أستاذ جامعة!".
ووصل الأمر ذات مرة إلى طلب رجمه، بتهمة دعوته للفحش، إبان حديثه بأن الاختلاط بين الرجال والنساء ليس حراماً.
جمال البنا، يدافع عن نفسه بالقول أن كل ما دعا إليه في حياته، هي ذات القيم التي دعا إليها الإسلام، القيم التي لابد أن يكون لها الأولوية في حياة البشر، وهذه القيم هي "الصدق"، و"تجديد الفكر" و"الحرية"، حتى أنه كتب ذات مرة مقالة بعنوان "برنامج انتخابي من كلمة واحدة" وكانت الكلمة هي "الحرية".
مجلة جهينة


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...