Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
حكاية حي المهاجرين

حكاية حي المهاجرين

راما نجمة
تمشي صاعداً وتتساءل متى ستنتهي هذه الأدراج المتسلقة جبلاً، كي تخفف أوجاع ركبتيك اللتان لم تتعودا الصعود تمزح مع نفسك: أليس كل سكان المهاجرين أصحاب قوام ممشوق فهذه الأدراج كفيلة بحرق كل الحريرات؟
فكيف يفكر الناس أن يصعدوا جبلاً ويعيشوا فيه تاركين أرضاً منبسطة وراءهم... قاسيون من الجبال القليلة في العالم التي تحولت إلى أحياء سكنية بكل معنى الكلمة لتحمل في حضنها حياة كاملة غريبة ومفاجئة.
يروي الجد الجالس على عتبة البيت فوق الجسر الأثري في الجادة الأولى "كان حي المهاجرين يمتد إلى السفح من طريق سكة الترام إلى الأعلى أما من الأسفل منه فكان هناك صف واحد من البيوت ثم البساتين، كانت الجادات في العشرينات حوالي أربع جادات أو خمس فقط ثم بنيت السادسة بعد ذلك بزمن أما الآن فلا أحد يستطيع أن يعد الجادات إذ صارت البيوت تعلو عشوائياً إلى أن بلغت مغارة الأربعين"
كان خط الترام يمر في المهاجرين منذ العشرينات، ذهب الترام مع الأسف بلا مناقشة وبلا قرار سياسي ولانعرف من أوقفه، كما يروي نجاة قصاب حسن في مذكراته لكن الناس بقيت تسكن في المهاجرين، وبقيت البيوت تعشش في قاسيون.
والمهاجرين منطقة تقع في سفح جبل قاسيون من الجهة الغربية واسمها القديم تحت الردادين. وكانت ملكاً لآل المؤيد العظم، وكانت قبلاً ملكاً إقطاعياً لبهاء بك في عصر الوالي حمدي باشا. وأطلق عليها اسم المهاجرين منذ بداية هذا القرن، عندما جاءها جماعة من المهاجرين أتراك وشراكس وبخاريون وكريتيون وسواهم ممن قدموا إليها بهجرات مختلفة الأسباب... أول المهاجرين من البلقان وصلوا 1890 ثم من الروملي 1896 ومن كريت 1900 وكذلك عائلات تركية كثيرة بقيت في سورية بعد رحيل الحكم التركي 1919.
لم يمنع وجود الأقليات القادمة من المحافظات مع أقليات استوطنت سابقاً هنا من الذوبان لكن ربما في الغربة ذاتها، غربة لها حميميتها أيضاً، الجميع تجمعهم غربتهم وعندما يجتمع الغرباء يصبحون أقرباء.
يعود الفضل في نزوح الناس إلى قاسيون إلى الوالي ناظم باشا آخر والي على دمشق من ولاة الدولة التركية الذي أسكن المهاجرين القادمين إلى دمشق فيه كما بنى لنفسه قصراً هناك... ويحكي الأستاذ أنس تللو أن ناظم باشا قد اصبح يوما ضيق الصدر مكتئبا فأمر أعوانه أن يبنوا له مجلسا بعيدا عن ضوضاء المدينة وما هي الا ساعة حتى نصبوا له خيمة على سفح قاسيون فجلس مدهوشا مسحورا بالجمال الاخاذ وقال:‏ "إن الله عندما خلق الكون قسم الجمال نصفين, اعطى النصف الاول لهذا المكان ووزع النصف الثاني على باقي الارض" فقالوا له: "يا سيدي هذا المكان بعيد لا ماء ولا نبات ويحتاج السفر اليه ساعة كاملة". لكن الوالي اصر على البناء فبني القصر ليكون مقرا له وليصبح فيما بعد "القصر الجمهوري".
لنسير في المهاجرين شرقاً مع شارع ناظم باشا الموازي لنهر يزيد، ولندخل ساحة خورشيد، التي سميت كذلك نسبة لمالك القصر الجمهوري خورشيد وهبي، المصري الذي اشتراه من ناظم باشا قبل إنجازه. مروراً بالمصطبة، التي أعدت لاستعراض الجند عند زيارة الإمبراطور غليوم الثاني لدمشق عام 1898. وماتزال حتى الآن وتسمى بمصطبة الامبراطور وتعرف الآن بحي المصطبة.
وقبل أن نصل إلى العفيف نرى في أعلى المهاجرين حي السلامة، ويدعى السلمية وينسب الحي إلى التربة السلامية، ويقع قرب جامع الأفرم.
ومن العفيف نمضي شرقاً إلى حارة أو حي المدارس والتي كانت تحوي عدداً من المدارس حتى اعتبرت المنطقة أشبه بالمدينة الجامعية، ولقد بقي عدد منها، مثل اليغمورية والكجكرية والمرشدية والأتابكية والجهاركسية ومدرسة الصاحبة وهي أقدم مدرسة، وشمالي هذه الحارة تقع حارة الحلالات والجبل.
في هذه الأحياء مايشبه أحياء دمشق القديمة في متاهتها وتفرعها وضيقها، البيوت تنبت هنا على صخر لاينجب الحياة من قسوته، بيوت بيوت بيوت... تكتشف الشيء المثير ففي هذا المكان هدوء ممزوج بحيرة الصمت فحتى الأطفال هنا قليلي الكلام ورغم وجود الكثير منهم على الأدراج إلا أنهم بلا ضوضاء...
ينقذنا الشيخ البهائي من حيرتنا فهذه المنطقة ورغم عمرها القليل إلا أنها أنجبت الكثير من المتصوفة "هنا يجبرك الفضاء اللامتناهي على التأمل مثلما تصيبك السماء بعدوى الاتساع حتى لاتبتلعك الشام"
لشيخنا قصة مختلفة عن المهاجرين فهو يقول أن الناس هربت إلى هنا خوفاً من الشام التي ماعاد القمر يظهر فيها" فالناس كانت ومازالت تذهب إلى المهاجرين لكي تستمتع بالقمر وبصوت موسيقي يخرج من العدم ويصدح في الليالي إلى أبعد مدى... والناس تحب المهاجرين لأنها تستطيع أن ترى فيها الشام عن بعد دون تفاصيل وجهها... عندما تبدو هذه المدينة المرأة ساحرة دون غواية.
في هذا لاتشبه المهاجرين أي حي آخر فبيوتها تتراكب وتتراكم حتى تصل إلى ما قبل القمة بقليل وهي ماتزال تتسلقها بدأب، كأنها هدف مقدر لها.
الأطفال يملئون الشوارع هي ليست شوارع بل أدراج ضيقة ومتفرعة، أو حارات ضيقة صاعدة تركب للوصول إليها "سوزكي" وقد تشعر إذا كنت من ساكني السهول أنك في أحد قطارات الملاهي.
الأطفال هنا لايعرفون الملاهي لكن لهم امتيازاتهم وهي حريتهم فلن يقول لهم أحد حاذر السيارات والغرباء، فأكثر مايحبه هؤلاء الناس هم الغرباء مثلهم "نحنا من حلب ومن الشام يعني من الشام أكثر".... "البابا بقول أصلنا يوناني بس نحنا منحكي شامي بس"
يصبح مرشدك طفل بكل بساطة يحفظ هذه الفوضى المكانية ويدخلك إلى حارات لم تكن لتتصور وجودها، فجأة تجد نفسك مواجهاً للجبل الأصم... لم يبق على وصول القمة إلا قليلاً ترى ستكون من نصيب من؟
لايوجد دكاكين ولا صيدليات ولامحلات ولا سيارات ولا مدارس ولا عيادات ولامستوصفات إلا أنه هناك جامع في إحدى القمم، ويبدو أن لا أحد يخاطر بالوصول إلى هنا "فالطلعة مو متل النزلة"
الأوساخ تملأ المكان وتزداد كلما صعدت أكثر، لكن أليس من الصعب على عمال المحافظة الوصول إلى هنا لكن مهلاً هناك تنبيه على أحد الجدران بعدم رمي الأوساخ تحت طائلة (أشد العقوبات).
هنا أيضاً يوجد للفقر معانيه الصريحة بل طريقته في التقسيم فكلما ارتفعت في الجادات يزداد الفقر فيما الجادات الأولى يسكنها أغنياء العاصمة بل أن بيوتها هي الأغلى سعراً فيما ترى البيت الأخير بلا شبابيك وقد التصق بالجبل فجعل أحد جدرانه متكئاً له، فكلما صعدت كلما كنت أفقر، وكلما كنت آخر المهاجرين....

هوامش
 
يقسم وادي بردى قاسيون إلى قسمين رئيسين، قسم جنوبي ويدعى جبل عنتر وعليه أقيم قصر الشعب، وقسم شمالي المشهور باسم قاسيون، يقسم نهر يزيد سفحه المطل على دمشق إلى قسمين، قسم أعلى صخري أجرد، خال من الخضرة لشدة انحداره، ظل خالياً من السكان حتى نهاية القرن الماضي.

في أعلى قاسيون مغارة الأربعين، وسميت كذلك حسب أسطورة تقول أن رجلاً رأى فيها أربعين رجلاً يصلون، ثم خرج بحاجة وعندما عاد لم يجد منهم أحداً.

المهاجرين إلى قاسيون أسبغوا على حيهم طابعاً مميزاً إذ نقلوا إليها طراز أبنيتهم ومنها منازل القرميد كما اشتهروا بالتدين القوي والتعفف والقوة البدنية والروحية

الوالي ناظم باشا أنشأ الثكنة الحميدية والسرايا والقصر الجمهوري في المهاجرين، والمستشفى الوطني، وجر الماء من عين الفيجة، كما أنشأ ناظم باشا في الجهة الغربية من جبل قاسيون حياً للمهاجرين.

راما نجمة- مجلة المجتمع الاقتصادي 2006


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...