Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
خالد طنطا... والذاكرة على وريقات الطوابع


الذاكرة... على وريقات الطوابع

موريس عائق


يرن جرس الهاتف، فيرفع السماعة؛
((نعم نعم، مجموعة ألعاب البحر الأبيض المتوسط موجودة... نعم موجودة بكاملها... أنا بانتظارك...))
وما إن يغلق السماعة حتى يرن الجرس من جديد؛
((أهلاً سيد غزوان، كيف الحال؟ ماذا...؟ عيد الأم عام 1985...!؟ ليست عندي لكن يمكن أن تجدها عند محمود... أهلا وسهلاً، تكرم عينك...))
يغلق الهاتف من جديد، فيدخل إليه السيد سعيد؛ فيبادره بالقول:
((أين أنت يا سعيد، حصلت لك على مجموعة الحصان الكاملة منذ شهر ولم تمر علي... أين تغيبت كل هذه المدة...؟))
ثم يلتفت إلي فجأة ويقول:
((عفواً، لا تؤاخذنا، تأخرنا عليك لكن أنتظر كي نتكلم بهدوء ودون مقاطعة...))
وتابع حديثة مع السيد سعيد...
لحظة الهدوء أو (الرواق) كما أسماها السيد خالد طنطا، لم تأتي أبداً، فضيق المكان واكتظاظه بالناس، لن يترك مكان أبداً لمثل هذه اللحظة، هذا عدا عن جرس الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين طيلة الوقت...
هناك من يريد مجموعة لذكرى الاستقلال وآخر يبحث عن الوحدة بين سوريا ومصر، وثالث يبحث عن مجموعة الزهور والفراشات... معهم حق إذ لا تسنح لهم الفرصة إلا لساعات معدودة في الأسبوع، لذلك هم يحاولون عدم إضاعة ولو لحظة واحدة.
المكان هو مقر جمعية (هواة جمع الطوابع) السورية... والمقر مختبئ في احد أقبية منطقة المزة منذ سنوات، كما تختبئ الطوابع بين صفحات الكتب لسنين...
والزمان هو الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الأحد، الموعد الأسبوعي لاجتماع أعضاء الجمعية الذي لن يتجاوز الساعتين...
أما الهدف فهو وبكل بساطة... (النبش في الذاكرة)!
لكن الذاكرة هذه المرة مدونة على وريقات الطوابع، والنبش في ذاكرة الطوابع يعني النبش في عقود وعقود طويلة...
أما السيد خالد طنطا، أمين سر الجمعية، والذي حافظ على هوايته بجمع الطوابع وعلى وجوده في الجمعية منذ العام 1958، فيشكل البوابة التي ستعبرها كل تلك المبادلات والطلبات، بل وحتى المحاورات...
يقول خالد طنطا ((المرة الأولى التي بدأت أهتم فيها بالطوابع كنت في المدرسة الإعدادية ومن خلال الأصدقاء. وجدت في هذه الهواية الكثير من المتعة والكثير من الثقافة والعلم، بالإضافة إلى أن فيها (مطمورة)... فهي من الناحية المادية يمكن أن تكون ذات فائدة أيضاً، إذ كان بإمكاننا أن نشتري مجموعة بقيمتها المكتوبة عليها ثم ترتفع أسعارها مع مرور الزمن، فقد ظهر في سوريا هذه السنة حوالي العشر إصدارات والسنة الماضية كان هناك 8 وعلى سبيل المثال مجموعة العام الماضي كان ثمنها 7 ليرات أما اليوم فتباع بـ 30 ليرة... إذا يمكن اعتبارها هواية دون خسارة، إنها مثل الآثار كلما غاصت في عمق التاريخ كلما أصبحت أثمن...))

الطوابع، يرسمها المنتصرون
إلا أن التاريخ المدون على وريقات الطوابع، هو التاريخ الذي كتبه المنتصرون أما ذاكرة البسطاء فهي أول المتضررين إذ تتكسر كما تتكسر أسنان الطوابع العتيقة التي تتلف قبل جسد الطابع...
يقول خالد طنطا: ((عندما تأخذ طوابع سنة من السنوات وتتمعن بها تشعر أنها سجل لأحداث هذه السنة الهامة، إنها تعطيك تاريخ سوريا منذ الاستعمار إلى اليوم... الثورات والانتصارات والمعاهدات والمناسبات والاحتفالات الوطنية، وهناك طوابع تحكي قصة الاحتلال الفرنسي وكيف قسم سوريا إلى دويلات إذ كان لكل دويلة طوابعها الخاصة، فدولة حلب كان شعار طوابعها الزهرة... وكذلك كان هناك طوابع خاصة لدولة اسكندرون وطوابع مشتركة مع لبنان، وهناك طوابع تخلد شخص ما حصل على جائزة أدبية عالمية... وفي سنة من السنوات صدرت طوابع للألعاب الأولمبية وأخرى لدورة كروية عربية وبالتالي الطوابع التي تصدر حسب المناسبات الهامة...))
هدوء هاوي الطوابع
الزمن يتوقف حين يمسك بألبوم الطوابع ويبدأ بتصفحه وتدقيق محتوياته.... الألبوم يجب أن تقلب صفحاته بشكل دوري لأن الطوابع إذا لم تشتم الهواء يمكن أن تتعفن... لذلك كانت الوظيفة الدورية هي تقلب وتصفح الألبومات وتعريضها للهواء...
خالد طنطا يغوص في عمق الذاكرة حين يتنقل بين الطوابع... يتفحص أسنانها ويقرأ ما كتب عليها ويجول معها في الفضاءات الزمنية التي تمثلها... ذاتها
الشخصية الهادئة التي يتمتع بها الأستاذ خالد طنطا، لا تميزه بحسب قوله عن غيره من ممارسي هذه الهواية، فطباع معظم هواة جمع الطوابع كما يقول تميل إلى الهدوء والركون والاستغراق...
((عندما تجلس لتصفف الطوابع، تنسى الكثير من هموم العمل وهموم الحياة وترميها خلفك وتشعر بنوع من السكون والصفاء...)) هكذا عبر زهير هنيدي رئيس الجمعية، عن استغراقه في عالم الطوابع، ففوائد هذه الهواية برأيه كثيرة ومتنوعة
ذاكرة الطوابع تستطيع أن تغش الجميع
رغم أن الأستاذ خالد طنطا يمتلك اليوم مجموعة كبيرة من الطوابع العربية والعالمية متنوعة، إلى أن بدأ أولاًَ بجمع الطوابع السورية...
((بدأت قديماً بجمع الطوابع السورية المحلية، بدأت أجمعها بشكل عشوائي أولاً لكني رويداً رويداً عدت للوراء بالزمن... أول مجموعة طوابع اقتنيتها كانت طوابع أيام الوحدة... ثم انتقلت بعدها إلى ما يسمى مجموعة الطفل وأذكر أنها لاقت إقبالاً كبيراً آنذاك فكانت قيمتها نصف ليرة سورية ثم ارتفعت نتيجة الطلب عليها إلى سعر 5 ليرات وفي تلك الفترة كان مبلغاً ليس بقليل..))
قيمة الطوابع الحقيقية تختفي خلف شكلها دوماً فلا الألوان ولا الأحجام الكبيرة ولا الأشكال التي ترسم عليها ولا بلد المصدر يمكن أن تؤثر في قيمتها الحقيقية، بل القيمة الحقيقية مختفية في أكثر من مكان... وأياً كانت خبرة هاوي جمع الطوابع إلا أنه لا غنى له عن بعض الحالات التي ينخدع فيها بقيمة طابع ما خصوصاً إن كان طابع بلد أجنبي. يقول الأستاذ خالد: ((عندما بدأت بجمع الطوابع، تعرضت للخداع أكثر من مرة، إذ كانت هناك طوابع أجمعها وأعتقدها ثمينة ثم يظهر فيما بعد أن قيمتها ضئيلة، كأن تكون ملتصقة على مغلفات الرسائل، إذ بذلك تقل قيمتها... بالإضافة أن الكثير من الهواة يأتون إلى مقر الجمعية ويحملون ألبومات طوابع يعتقدونها ثمينة إلا أنهم يفاجؤون حين نقول لهم أنها لا تساوي شيئاً... الطابع أهميته بتوفره وعدم توفره... وهذا ما يحدد قيمته))
ويوضح الأستاذ خالد أن الطوابع التي تصدر كتذكارات لمناسبات بعينها تعتبر أعلى قيمة من تلك التي تصدر بإصدارات عادية
لكن قانون العرض والطلب يسري بشكل صارم في هذه الهواية أيضاً فالطوابع التي يكثر عليها الطلب ترتفع قيمتها ويظهر ذلك في المزاد الذي تقيمه الجمعية على الطوابع شهرياً، ويمكن أن يصل سعر الطابع إلى الأربعين ألفاً في المزاد... أفراد الجمعية يستذكرون كيف رغب أحد الهواة بشراء مجموعة يملكها الأستاذ خالد طنطا ولأنه لم يرغب في بيعها رفع سعرها إلى 125 ألفاً فما كان من الهاوي إلا أن قبل بالمبلغ ودفعه كاملاً...
حين سألنا عن الطابع الذي يعتبر الأغلى من بين الطوابع السورية فأتى الإجماع على طابع صدر بذكرى الاستقلال عام 1920 واسمه طابع 8 آذار وهو نادر اليوم ويملكه الآن واحد من أعضاء الجمعية... فهو من أوائل الطوابع السورية عموماً، لأن سوريا لم تعرف الطوابع إلا بعد خروج العثمانيين...
هواية للذكور فقط
في هذين الغرفتين اللذان يشكلان مقراً للجمعية، يجتمع الأعضاء ويتناقشون ويتبادلون الأحاديث ويتبادلون الطوابع ويستكملون مجموعاتهم... العمل على استكمال المجموعات هو الشغل الشاغل لهواة جمع الطوابع لا الكم ولا الشكل...
يفخر الأستاذ خالد بالعديد من أعضاء الجمعية الذين ينتمون لشرائح اجتماعية مختلفة ومتنوعة... ((هذه الهواية لا تقتصر على فئة دون أخرى... كثر من يمارسونها ومن شرائح مختلفة، قضاة ومهندسين أساتذة وأطباء... من أعضاء جمعيتنا مثلاً  سعادة السفير سامي الخيمي، والفنان الموسيقي الشهير غزوان الزركلي، ومنهم في هيئة البحوث العلمية...))
الجمعية التي تأسست عام 1958 ينتمي أعضائها اليوم لفئات عمرية مختلفة لكنها بالمجمل تبدأ من نهاية مرحلة الشباب فما فوق، والفتيان تقريباً غير موجودين، إضافة لأن في الجمعية كلها لا يوجد سوى اثنين أو ثلاث نساء والباقي كلهم من الذكور، فهل يصح التساؤل عن مدى استئثار الذكور بها...!؟ وهل تغلبت الهوايات التقنية وألعاب الكومبيوتر والانترنت على هذه الهواية بالنسبة للجيل الشاب؟؟
يقول خالد طنطا تعليقاً عن ندرة الشبان والفتيان في الجمعية: ((قد يبدأ الفتى في مراحل عمرية مبكرة بممارسة هذه الهواية كالمرحلة الابتدائية مثلاً... لكنه وفي المرحلة العمرية التي ينتقل فيها من الطفولة لبداية الشباب يجد أن هذه الهواية لم تعد تتناسب معه ويشعر أن النشاط الذي لديه لا يتناسب مع طبيعة هذه الهواية التي تقوم على الهدوء والركون فيتركها... وفي عمر الثلاثين مثلاً يعود لينشد الهدوء عموماً فإن صادف شخص ما ذكره بهذه الهواية تعود وتنتعش ذاكرته وينتعش حبه لهذه الهواية ويتشوق لها فيعود ليجمع سلسلة أو مجموعات من الطوابع كمجموعات الزهور أو الأحصنة... إلى أن متعتها في هذا العمر أكبر بكثير... في المرحلة الأولى قد يلفت نظرك طابع كبير وملون وغريب الشكل أما الآن فقد تنظر له على أنه لصاقة بينما طابع صغير وغير ملون يحكي لك تاريخ عمره مئة عام تشعر بعمقه وندرته واتساع دلالاته. لكن من الطبيعي أن يكون هناك فترة انقطاع بين بداية الهواية وبين استمرارها. ثم يبدأ بالعودة للوراء للتعمق بالإصدارات القديمة. وهذه المراحل تقريباً يمر بها الجميع ولا أعتقد ان الهوايات التقنية والالكترونية الحديثة قد أثرت أو ستؤثر بمثل هذه الهواية)).
اختصر خالد طنطا القصة كلها حينا سألناه عن مؤهلات من يريد الدخول في الجمعية أو الصفات التي يجب أن يتحلى بها هاوي جمع الطوابع إذ قال:
 إنه ببساطة يجب أن يحب جمع الطوابع...!


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...