Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
مع الرحالة السوري محمد حاج قاب

مع الرحالة السوري محمد حاج قاب

ورحلة فراتية عبر نهر الزمن

موريس عائق
"من توتول إلى ماري" هو عنوان الرحلة النهرية التي استمرت 12 يوماً على طوف في نهر الفرات... الرحلة التي انطلقت من مدينة الرقة السورية وانتهت عند الحدود السورية العراقية عند مملكة ماري التاريخية، هي محاكاة وإعادة معاصرة للرحلة التاريخية التي جرت في نهر الفرات في الألف الثاني قبل الميلاد حين قام بها أمير أوغاريت لزيارة مملكة ماري...
الرحالة السوري والمصور الضوئي وأستاذ فن الزخرفية، محمد الحاج قاب، اعتاد في رحلاته الاستكشافية أن يجول في جبال القلمون، القريبة من مدينة دمشق والتي تنتمي جغرافياً لسلسلة جبال لبنان الشرقية... اعتاد أن يكتشف قممها وكهوفها ويتسلق جروفها الصخرية الوعرة ويلتقط الصور في شتى فصول السنة حتى في أكثرها قساوة. لكن رحلته هذه المرة مختلفة مختلفة، في المكان ومختلفة في الزمان وفي البيئة والطبيعة وحتى في بعدها التاريخي والثقافي والآثاري... إنها رحلة استمرت 12 يوماً لتحاكي رحلة عمرها 4آلاف عام.
انطلق محمد حاج قاب في رحلته مع حوالي 30 شخصاً آخرين من مدينة الرقة على نهر الفرات (وسط سورية) على طوافة صنعت خصيصاً لتلائم طبيعة نهر الفرات، الطوافة التي حملت على ظهرها محمد حملت معه عددا من الشعراء والأدباء وكتاب القصة والصحفيون والرسامون وعلماء الآثار والمصورون... والهدف كان إعادة اكتشاف نهر الفرات وبيئته الحيوية وجغرافيته البشرية وآثارها وحيواناتها ونباتاتها، ولكن هذه المرة من قلب النهر وعبر الطواف فيه...
لكن كيف استطاعت السهول المنبسطة والمساحات الخضراء الواسعة ان تجتذب من اعتاد لسنوات استكشاف الجبال الجرداء وتدجين الجروف الوعرة؟
يقول الأستاذ محمد الحاج قاب: ((كنت أزور منطقة الفرات منذ أعوام عديدة وفي كل مرة كنت أقترب فيها من النهر العجوز كنت أشعر وكأني أسمع صوت جرح ينبض في قلب الفرات وفي كل مرة أزور فيها مدينة الرقة تتولد عندي محبة لهذا النهر، طبعاً هذا فضلاً عن إيماني بقدسيته وبكونه مع نهر دجلة يشكلان المنطقة الجغرافية التي انبثقت منها الحضارات، حضارات ما بين النهرين...
الرحلة هذه المرة كانت تحمل إغراءاً مزدوجاً، إغراء التعايش مع نهر شيخ ومقدس كنهر الفرات وإغراء الاستكشاف لمنطقة جديدة ونائية وإغراء البحث عن تلك الأماكن التي لا تحظى بكثير من الضوء في حياتنا...))
الأماكن المظلمة عموماً تشكل هاجساً عند الفنان محمد الحاج قاب... فهو يرغب بالنظر للقمر من وجهه الآخر، وجهه المظلم وليس إلى الوجه الذي ينظر له كل الناس... يحب أن يكتشف بنفسه مفردات الجمال الموجودة في الوجه الآخر، لا أن يستقبل قوالب الجمال جاهزة من الآخرين... يبحث عن الذي لم يراه الناس ليكتشف الجمال البكر ويلتقط له الصور.

دافعه إلى هذه الرحلات دافع الكشف ودافع البحث عن صور جمالية... فبرأيه أن كل رحالة هو إنسان يتنقل في البقاع المختلفة وينقل للآخر ملاحظاته ورؤيته للمكان الذي يكتشفه، يريد أن ينقل للناس المشهد الذي لم يروه والذي رآه هو، ونقل المشهد يكون برأيه عبر الصور...
وعن البقع المعتمة التي استطاع أن يضيئها فلاش كاميرته في تلك الرحلة قال محمد: ((الذي لن يمحى من ذاكرتي هو العلاقة الغريبة التي نشأت مع سكان ضفاف الفرات، فالكل في البداية كان ينظر إلينا ويحدق بنا مستفسرا عن هذا الغريب الذي يقتحم عالمهم النائي، هم يرونك قادم إليهم في طوف يسير مع مجرى النهر، فيبدأ الأولاد بمحاولات عبثية لجذب اهتمامك وما هي بضع دقائق وما أن نرسو على طرف النهر حتى يأتي أهل البلد كلهم إلينا وعيونهم تقول من أنتم؟؟!! ولماذا أتيتم...؟! لكن دون أن تخفي فرحة طفولية لا تستطيع أن تعبر عن نفسها إلا بالعيون)).
سلوك الناس ودهشتهم وفرحتهم الطفولية جعلت محمد يرى ملامح الجمال في كل الناس وأن يرى كل الوجوه جميلة، صغاراً وكباراً، وهذا ما كان يجذبه كمصور لالتقاط صور عديدة للوجوه (بورتريهات شخصية) وهو ما جعل رحلته عبر النهر تقتصر بمعظمها على تصوير المناظر الطبيعية والبورتريهات المتعددة...
كان برنامج الرحلة مزدحماً جداً فرغم المساحات الزمنية الكبيرة التي يعتقد البعض أنها متوفرة خصوصاً مع الإبحار لساعات طويلة عبر النهر إلا أن المشاهد لم تكن متشابهة أبداً، لا بل التنوع البصري الذي طغى على الرحلة جعل فترات التقاط الأنفاس قليلة جداً. كان أعضاء الفريق يستيقظون في الخامسة صباحاً في كل يوم ليبدأ إبحارهم باستقبال الشروق وتصوير شمس الصباح الحمراء، فلحظات الشروق والغروب كانت لحظات استنفار كامل للتصوير أو الرسم أو حتى لكتابة القصائد...
كانوا يبيتون على ضفاف النهر قرب الأماكن المأهولة، لكن وبحسب ما يؤكد الرحالة محمد حاج قاب: ((لم يكن الطوف ليتوقف عند قرية أو بلدة ما حتى  يأتي أهل المنطقة بعشرات البسط والسجاد والأغطية إلى أماكن نومنا والكثير منهم يذبحون الخرفان عند قدومنا ويحتفون بنا... مثلاً في إحدى القرى التي اسمها العشارة استقبلنا شاعرها الذي أهدانا ديوان شعر... كان لدى الشاعر مناحل عسل، فجلب لنا عسلاً طبيعياً تذوقناه ثم أبى أن نغادره حتى نتذوق من عسل آخر هو العسل الأجمل العسل الذي يكتبه ويخطه قصائد وأشعار...
استمرت رحلتنا 12 يوماً و11 ليلة كنا ننام فيها في البراري لكننا كنا نحاول النوم في الأماكن التي فيها سكن كي نختلط بالناس المحليين وتحادثهم ونتعامل معهم... كنا نأكل في معظم الأحيان من صنع أيدينا كأن نصطاد سمك ونشويه طبعاً هذا دون أن ننسى أن الكثير من أهل القبائل وشيوخ العشائر كانوا يقدمون لنا الطعام)).
ويضيف محمد: ((كان الفريق يتفاعل مع الناس ومع همومهم وشعرهم ومشاكلهم، وكانوا يخالطونهم ويتعرفون على عادتهم وتقاليدهم وكرمهم وبساطتهم وخلو حياتهم من التعقيد... كانت همومهم تتراوح بين غلاء المهور وعدم تعليم الفتاة وكثرة الأولاد. على ضفاف الفرات قد تجد الإنسان البسيط الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة يستطيع أن ينشد شعراً عن نهر الفرات... كما لا يوجد بيت تمر به إلا ويرغمك إرغاماً على قبول ضيافته وعلى الأقل أن يسقيك كوباً من (الشنينة) وهو ما يتبقى من اللبن بعد خضه وأخذ الزبدة منه، شراب الشنينة طعمه حامض لكنه يعطي رطوبة في الطقس الحار وهي مشروب رئيسي عند سكان ضفاف الفرات...))
في حوض الفرات لاحظ الفنان حاج قاب أن المرأة تعمل بجانب الرجل والاثنين يعملان خارج المنزل ربما في الحقل وربما في السوق في بيع منتجاتهم وربما في تربية المواشي، والاثنان يعودان إلى المنزل مساء... يقول حاج قاب: ((هناك مشاركة في الحياة بين المرأة والرجل تشبه التشارك في أكثر المجتمعات تطوراً لكن الحياة هناك تخلو من التكلف والتبرج... ليس العيب مثلاً في عدم امتلاكك طعاماً منوعاً تقدمه لضيوفك بل يكفي أن تقدم شراب الشنينة ورغيف خبز... المعيب أن لا يكون لديك خبزاً  أما إن قدموا لك الخبز والشنينة يكونون أوفوا بواجبهم تجاهك... 
هناك لا تزال الفتاة تصنع جهاز زواجها وبيتها بنفسها وتصنعه يدوياً كالمطرزات أو الستائر أو أوجه الوسائد، وتضع عليها رسومات فطرية تنتمي للبيئة التي يعيشون فيها... إحدى الرسومات التي شاهدتها على وسادة كانت عبارة عن وردة بين طائرين لكن الوردة تميل لطير أكثر من الآخر، وشرحت لي الفتاة التي صنعتها عن الفكرة فقالت: إن الوردة ترمز لشجرة الحياة التي سيبنيها هذين الطائرين معاً. لكن عندما سألتها لماذا هي مائلة لطير أكثر من الآخر قالت أن الدنيا دائماً تميل للرجل...! لقد عكست رؤيتها للحياة ببساطة ودون تعقيدات... الوشوم التي تدق على وجوه الناس كانت بمثابة تمييز لأهل القبائل فكل قبيلة لها وشمها الخاص بها سواء على ذقون نسائها أو على سواعد رجالها... وكل وشم يرمز لفكرة معينة، أو قصة معينة...))
المناطق المأهولة على أطراف النهر بمعظمها قرى نائية حافظت على بساطتها وابتعدت عن ضجيج المدنية فباستثناء مدينتي الرقة ودير الزور كانت بمعظمها قرى نائية يسكن أهلها في بيوت طينية و بيوت الشعر...
يعملون بالزراعة وتربية المواشي وصيد السمك من مياه الفرات. عمارتهم وبيوتهم كلها أرضية تتألف من طابق واحد وتعتمد نموذج البيت الريفي الذي فيه في الوسط (حوش) ومجتمعاتهم قبلية عشائرية في الغالب..
النهر يمر أيضاً عبر مدن أثرية عديدة وأهم المواقع الأثرية التي يمر بها نهر الفرات هي قلعة حلبية وزلبية التاريخية، وصالحية الفرات أو دورا أوروبوس وقلعة الميادين ومن ثم يغادر النهر الحدود السورية ليدخل العراق عند مملكة ماري التاريخية...
المشاهد الأثرية ووجوه الناس على جمالها، لم تسرق كل لقطات عدسة محمد حاج قاب، فالمشاهد الطبيعية لا تقل عنها جمالاً... فانعكاسات الأشجار على سطح الماء، وشروق الشمس والخيول العربية الأصيلة والسهول الخضراء وصفحة الماء كلها استطاعت أن تحجز لنفسها لوحات بصرية رائعة عبّر عنها محمد الحاج قاب بعدسته الخاصة...
مرّ الطوف بمناطق برية غير مأهولة بالسكان فكان فرصة لتصوير الحياة البرية وبيئة الفرات البرية التي تحوي الكثير من الحيوانات البرية مثل ذئب الفرات الذي يعيش على ضفافه وضباع البادية السورية، بالإضافة للطيور للبرية التي تتواجد بكثافة وخصوصا في الأماكن البعيدة عن السكن وهي طيور منوعة، طبعاً إضافة إلى الثروة السمكية الكبيرة في النهر  والسلاحف والقواقع الموجودة بالماء والتي تعيش على ضفاف الفرات.
حط الطوف في نهاية الرحلة في مملكة ماري الأثرية... وكتب الرحالة في سجل الزيارات في متحف ماري أنهم قاموا برحلة نهرية من توتول إلى ماري بعد 4 آلاف عام على الرحلة الأولى...
يوميات محمد حاج قاب التي كان يدون فيها وقائع الرحلة، حوت الكثير من الانطباعات والمشاعر والتوثيقات لما كان يراه ويعايشه ويحدث معه، وحين سألناه أن يقتطع لنا ورقة من تلك اليوميات ليقرأها لنا... قال: ((كنت أجلس في مقدمة الطوافة أتلمس الماء بيدي حين شعرت أن الفرات شيخ كبير وأنا صغير جداً بين يديه فكنت أسمع منه أوجاع وآهات كثيرة أصابتني بنوع من الحزن في هذا المكان فكتبت أخاطبه:
عالم من الأسرار أنت يا فرات، أعبرك وأسمع منك الآهات، ما بك أحزنك مثل حزني، أجبني بصمت أجبني فأنا مثلك ، أجبني واكسر حاجز الخوف، فإني مثلك أنزف وجعاً كما ينزف بك الدهر...))
أخيراً يبدو أن الإبحار مع النهر عبر الزمن لا يمكن أن يشبع توق الرحالة إلى الكشف ولا رغبة المصور في تجسيد جماليات المشهد طبيعياً كان أم وجهاً بشرياً... لذلك يحضر محمد الحاج قاب الذي يجمع بين الفنان والمصور الضوئي والرحالة المستكشف، يحضر لرحلة أخرى يكرر فيها التجربة لكن هذه المرة بشكل مختلف، يفكر بتكرارها مع مجموعة أقل من الناس وعلى قارب يسير بالتجديف اليدوي لا بالمحركات المزعجة...  ((كي نشعر بتعب الرحلة ونتلمس هدوء المكان والطبيعة ونسمع صوت الفرات وهمساته...))

مؤسسة القمة للصحافة والنشر


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...