Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
كان هناك شيخ كار لذا كانت المهنة بخير

كان هناك شيخ كار لذا كانت المهنة بخير

موريس عائق
في التكية السليمانية العتيقة التي كانت مأوى للحجاج في قديم الأزمان، جلس في ورشته الصغيرة بهدوء وصفاء من حل عليه السلام، ينقش الآية الكريمة بالخط الثلثي وفي عينيه تنبض فرحة من خط بالريشة كلماته الأولى.
إنها البهجة التي تنطلق من أنامله فتغمره في كل مرة يشرع فيها بعمل جديد يعيد فيها الماضي إلى الحياة ليبث في الخشب الميت روح التراث بألوانه وأشكاله ورهبته التي تشعرنا أن ما فات لايمكن أن يموت.
انه سمير أوضه باشي من العائلة الدمشقية المشهورة التي توارثت حرفة الزخرفة على الخشب جيلا" بعد جيل ومنعت هذه المهنة من الانقراض، فحفظت عن أجدادها أسرارها، وحكاياتها فصانت ذلك الخيط الرفيع الذي يصل الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل .
مازال سمير أوضه باشي يعمل بيده اليسرى فكل محاولات أستاذ الابتدائية إجباره على استخدام يده اليمنى باءت بالفشل، إذ أصبح الآن يستخدم يديه الاثنتين بذات المهارة... يقول الأستاذ سمير "في الماضي كانوا يعتبرون استخدام اليد اليسرى عيباً لذا كانوا يربطونها بالجسد ليجبر الطفل أن يستخدم اليد اليمنى".
اليوم أثبتت الأبحاث العلمية أن استخدام اليد اليسرى ليس خطأ بل على العكس يدل على أن هذا الشخص لديه مهارات أخرى.
المهارة التي يمتلكها سمير أوضه باشي هي مهارة الزخرفة على الخشب مهنة والده التي عاد إليها ولم تمنعه دراسته الجامعية من التعلق بها وحبها فكما يروي الأستاذ سمير كان أبوه يريد له أن يدرس ويتعلم كي يحصّل مالم يستطعه هو، وبالفعل درس سمير في كلية الحقوق بجامعة دمشق لكن كما يقول سمير: "شدني الرسم وكأنه يورث مع الدماء" فلم يستطع إلا أن يعود لمهنة أجداده: الزخرفة الشرقية على الخشب.
يقول الأستاذ سمير: " تسمى هذه الزخرفة بالعجمية وهذا ظلم للعرب فهذه الزخرفة تتضمن تراث ثلاث أمم: العربية والفارسية والتركية، وهي كلها زخارف إسلامية تنبع من الفكر الإسلامي الصافي فليس فيها حيوانات أو بشر إنما العنصر الأساسي فيها هو المقاطع الهندسية والنباتية والخط العربي وهو قطع من المثمنات الهندسية وطبعاً هناك الخط العربي بأنواعه المختلفة حيث نكتب كلام الله داخل هذه القطع أو في محيطها".
يحكي السيد سمير عن أصول فنه ومهنته فيقول أنها تعود إلى العهد الأموي والى زمن الخليفة الوليد بن عبد الملك المشهور بعشقه للفن فعندما أراد هذا الخليفة تزيين الجامع الأموي أحضر فنانين من فارس إضافة إلى فناني دمشق وباجتماعهم معاً ظهرت هذه الزخرفة ثم توارثتها الأجيال وأصبح الدمشقيون يفتخرون بتزيين أسقف صالوناتهم بهذا الفن الشرقي كما نجده في قصر العظم وبيت نظام.
كان أبو (سمير أوضه باشي ) هو شيخ الكار لهذا المهنة وهذا يعني أنه كان رئيس كل العاملين في هذه المهنة وأشطرهم وأكثرهم اتقاناً وحفظاً لأصول المهنة ولذا فلم يكن يحدث أي شيء في هذه المهنة إلا بأمره وعلمه، يقول السيد سمير: "لم يكن أحد يمارس هذه المهنة ويفتح ورشة خاصة به إلا بعد أن يتدرب ويتعلم لسنوات لدى أحد المعلمين أصحاب الورش الكبيرة وعندما يحفظ المهنة ويريد (الصنايعي) أن يتحول إلى (معلم) كان يأتي إلى شيخ الكار ويرى أعماله ويختبره ويسأله فإذا نجح في الامتحان يشهد له شيخ الكار بحفلة أو جمعة... أي أنه يعلن أمام الناس أن هذا الشخص يستحق أن يفتح ورشته الخاصة، ويتحمل شيخ الكار مسؤولية أعماله كذلك يقوم شيخ الكار بتقدير وتقييم عمل كل العاملين في هذه المهنة وإذا حدثت أخطاء في المهنة وتطبيقها فان شيخ الكار يتدخل لإصلاح ذلك، فقد كانت كلمته مسموعة ومقدرة فالجميع يستشيره ويسأله ويطلب نصحه لذا فإن الكلمة التي يقولها لا يمكن أن تصبح كلمتين"
يتذكر السيد سمير أوضه باشي  كيف قام أبوه بزخرفة أسقف قاعة العرش في قلعة حلب فرغم أن السيد سمير كان مايزال في عمر السادسة عشر إلا أن أبوه اصطحبه معه ليرى كيف يتم إنجاز هذا العمل الضخم " فقد كان هناك عشرات العمال وعدة رافعات لتزيين اثنتا عشر سقفا" على ارتفاع خمسة عشر متراً ويذكر سمير كيف وقع منه المذياع فأخبره والده أن لاينظر إلى الأسفل حيث وقع كي لاينتبه لمقدار الارتفاع الذي يعمل عليه .
قام أبوه أيضا" بترميم دار العلم في متحف مدينة حماة، إضافة إلى عشرات البيوت الدمشقية العريقة أما سمير أوضه باشي فقد زين عدة قبب وجدران في دار الفتوى في بيروت كذلك زين مسرح الأنوار لفرقة كركلا في لبنان ومطعم يا مال الشام في السعودية.
يروي السيد سمير أن هذه المهنة لم تعد موجودة إلا في دمشق فقط وهناك من يعمل فيها بمصر أما من نقلها إلى مصر فهو فرد من أسرة أوضة باشي وذلك في القرن الماضي عندما سافر أحد أعمام أبيه إلى مصر ليحمل المهنة وأسرارها إلى هناك أيضا".
ورث سمير أوضه باشي عن أبيه ثروة من الزخارف لكن الأهم ورث أسرار المهنة وخفاياها يقول السيد سمير: "أهم شيء ورثته من أسرار المهنة هو معجونة متوارثة اسمها ( نباتة) وهي خلطة سرّية يعطيها الأجداد للآباء تتكون من خمسة مواد تخلط معا" بنسب دقيقة جدا" فإذا أخطأ أو نقص غرام واحد يمكن أن تخرب المعجونة أو لاتلصق أو تقبع بعد فترة أما ( النباتة) فهي تبقى طوال قرون وتتحمل كل قسوة الطبيعة أو تبدلات الطقس... كذلك ورثت عن أبي أسرار فن التعتيق فهناك طرق معينة لتبدو أي قطعة بعمر معين أو أقدم مئة أو مئتي عام وهذا يدعى التعتيق. كذلك ورثت خلطات الألوان بدقة واليوم يكفي أن أنظر لأي لون كي أعرف مما هو مؤلف بالضبط.
يصر السيد سمير أن يستخدم الألوان الشرقية الكحلي والبيج والزيتي والخمري كذلك الذهبي والفضي ويلتزم بالأشكال والرسوم القديمة فيقول: المعلم الماهر من يطور العمل دون أن يسيء لروح الماضي ولمبادئ المهنة فنحن حراس التراث الشرقي هكذا وجدنا رسوم أجدادنا ويجب أن نحافظ عليها فتوقد الذهن موجود لكن بحدود التراث"
لكن اليوم هناك الكثيرون ممن يرسمون خارج الإطار الشرقي ويعملون تحت غطاء الزخرفة على الخشب فيستعملون ألوان فاقعة أو أشكال غريبة يلصقونها على الخشب فيخرجون عن التراث ويشوهونه لكن شيخ الكار لم يعد موجوداً ليمنع المتطفلين على الفن والتراث. 

مؤسسة القمة للصحافة و النشر


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...