Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
الطريق إلى مار موسى الحبشي


الطريق إلى مار موسى الحبشي : هنا لن تميز في الأشياء إلا الجمال

من بين جميع الأحاسيس التي تعرضت لها في حياتي لا أستطيع أن أنسى تلك الليلة الأولى التي قضيتها نائماً في العراء على طريق مار موسى الحبشي، كان الطقس بارداً رغم أننا في الصيف وطعم المياه الصحراوية لا يزال على شفتي، نظرت إلى السماء والى مجرة درب التبانة الذي يشير إلى الطريق الطويل الذي يجب علينا أن نقطعه سيرا على الأقدام، شعرت برهبة صوت الروح الصافي يهمس: رغم رفاهية الأرض فإن هناك في الأعلى ما هو أروع وأكثر جمالا.ً
أن تكون في سورية وتكون مؤمن بالله والحوار بين الأديان والسلام بين الحضارات، فالطريق إلى مار موسى طريق عليك أن تسلكه إن عاجلاً أم آجلاً...
كانت المجموعة التي أخذتني معها قد اختارت السير على الأقدام للوصول إلى جنة الصحراء السورية كما يطلقون على هذا الدير النائي ورغم أنني ترددت في استنزاف قدمي، إلا أن خجلي من صديقي الذي أمضى ليلة كاملة يحدثني عن البحث عن الإشراق لم يترك أمامي سوى خيار أن أترك سيارتي في إحدى القرى القريبة.
قرر قائد الفريق أن ننطلق بعد أن أظلمت تماماً وهذا يعني أن علينا أن نقضي الليل دون جدران البيوت التي تعودت عليها طوال أربعين عاماً، لم نحمل معنا أي شيء، لا خيام ولا طعام ولا ماء... ويبدو أن القلق كان ظاهر علي بشكل واضح، فهمس لي صديقي: "لا تقلق لن تميز في الأشياء إلا الجمال"
لم أعر جملته كثيراً من الانتباه، فقد كان قد أُضيف هم آخر على همومي، "لا أريد أن أبدو جباناً"، حثيت خطواتي حتى تقدمت الجميع لأعطي إيحاءً جيداً أنني مندفع مثلهم لهذه المغامرة البرية.
وهكذا سرت في صحراء النبك والجميع خلفي وأنا أشعر بالزهو، لكن في الحقيقة لم نمش كثيراً، حتى توقفنا للنوم، فوق التراب، وتحت السماء...
كنا في منطقة ما بين دمشق وحمص، وكنت أعرف أن دير مار موسى لا يبعد كثيرا،ً لذا لم أفهم الجدوى من وجودي الآن في هذا المكان الموحش، حيث تختفي الأصوات لكن لايحدث الصمت أبداً، كان قد اقترب مني قائد الفريق الستيني وقال "ربما تسأل لماذا بني هذا الدير في مثل هذه المنطقة النائية، أراد موسى الحبشي أن يبتعد عن العالم، لا بل أن يتخلى  عن العالم"
كنت قد سمعت قصة الدير قبل أكثر من سنتين، وقررت أن أزوره ومازلت أؤجل الموضوع حتى سجل صديقي اسمي في هذه الرحلة.  تذكرت حكاية الإثيوبي الذي كان يعيش منعزلاً في مغارة في القرن السادس الميلادي، ولم يكن شخصاً عادياً، بل كان موسى الحبشي، ابن ملك الحبشة، وهذا الابن رفض أن يلبِسَ تاجَ المُلْك والتمس، عِوَضاً عن ذلك، الطريقَ الصعب، هرب إلى مصر ومن ثم انطلق إلى فلسطين ومنها إلى سوريا ليختار هذا الموقع الذي حمل اسمه، فيقضي به حياته بتنسك ثم مات شهيداً على يد الإمبراطور الروماني هرقل مطلع القرن السابع الميلادي.

عاد الصمت للمكان، لم نتحدث مع بعضنا رغم أننا كنا نستلقي جنباً إلى جنب، وحده بقي القائد جالساً وكان من الواضح أنه قرر عدم النوم، كان وجود حارس مطمئن بشكل كبير، لكني لم أجد سكينتي، فبدأت أنظر للنجوم وألعب لعبة علمتني إياها جدتي مثلما تعلمها كل الجدات، بدأت بعد النجوم، وتوزيعها على كل من أعرفهم.
فتحت عيناي على ضوء له لون الذهب السائل، كانت الشمس تبدو كجبل من النار في نهاية صحراء بدأت تشتعل رويداً... رويداً، لم يكن هناك شيء في ذهني، فراغ تام، تحركت معدتي الفارغة، وافتقدت قهوتي وسيجارتي، لكني خجلت من الاعتراض أمام المجموعة التي كانت تبدو متأقلمة تماماً مع الوضع لا بل مستمتعة....
بدأنا نتسلق جبال صخرية ولم يعد من السهل أن أكون في المقدمة، دخلنا وادٍ ضيّق ومتعرج بين صخور وعرة ومتموجة إلى أن لاحت أمامنا خاصرة الدير, خيمة بدوية صغيرة تنتظر القادمين. بعد عناء صعود الجبل، حيث شربنا كوبا من الماء وتناولنا وجبة بسيطة من اللبن والخبز، قال لنا مضيفنا" إن كرم الضيافة يُعتبر من أهم الأشياء في الدير، وهذا يرجع إلى التقاليد القديمة للرهبان في الشرق الأوسط".

خرجنا بسرعة لنكمل سيرنا، استبد بي فضول وشوق لهذا المكان الذي بدأت تتضح معالمه فرغم علمي مسبقاً أنه موجود وحيداً كواحة روحانية بين الجبال و الصحراء، إلا أن الشعور بالحياة تدفق بهذا الدفء من الرمال كان شعوراً غامراً لا يوصف، لم نمش كثيراً حتى تغير المشهد، فجأة ومثل السراب ظهر على أحد المنعطفات قرية صغيرة تمتد بتموجاتها كلوحة نصبت الآن وتوقف عندها الزمن.
كان ضباب الصباح الكثيف مازال يخيم على المكان، و كان عدد من الرهبان في ثيابهم القطنية الغامقة، ظهر الدير صغيراً وبالقرب منه أبنية تشكل مجمعات للرهبان، تحركت اللوحة وظهرت الحياة في هذه البقعة النائية عن البشرية،  فقبل حوالي عشر سنوات كان هذا المكان خالياً ومقفراً، لا بشر ولا حيوان ولا نبات، كان عبارة عن قفر، ولا يوجد دليل على أن البشر مروا به إلا بقايا بناء الكنيسة التي أسسها الرهبان باسم مار موسى الحبشي بعد موته، بقي الدير قائماً عدة قرون إلى أن اشتدت عليه رياح الصحراء حتى كادت تدفنه، عندها كان لا بد للتاريخ أن يتدخل ويعيد الحكاية لتدور مرة جديدة في هذه المجرة، فوصلَ‮ ‬قادماً‮ ‬من‮ ‬روما‮ ‬المُستشرقُ‮ ‬باولو‮ ‬إلى هذا ‮الدير المهجور ‮والآيل للسقوط ، ‬في‮ ‬صيف‮ ‬عام‮ ‬1982،‮ فوجد فيه ضَالّته ‬و‬قضى‮ ‬عشرة‮ ‬أيامٍ‮ ‬فيه‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬خلوةٍ‮ ‬روحية‮، ليقرر بعدها البدء‮ ‬بتنظيم‮ ‬عملية‮ ‬ترميم‮ ‬الدّير‮. وتطوّع‮ ‬الكثير‮ ‬من‮ ‬الشباب‮ ‬للمُساهمة‮ ‬في‮ ‬أعمال‮ ‬الترميم‮ ‬وأمضَوا‮ ‬وقتَهم‮ ‬بين‮ ‬الصلاة‮ ‬والعمل،‬
‮استمرَّ‮ ‬ذلك‮ ‬حتىّ‮ ‬صيف‮ ‬عام‮ ‬1991،‮ ‬حيثُ‮ ‬بدأ‮ ‬الأب‮ ‬باولو(بولص)‮ ‬بإعادة‮ ‬الحياة‮ ‬الرهبانية‮ ‬إلى‮ ‬هذا‮ ‬القَفْر‮ ‬مع‮ ‬الشّماس‮ ‬الحلبيّ‮ ‬يعقوب‮ ‬مراد‮. ولَفَتَتْ هذه الجوهرة الصغيرة في قلب الصحراء انتباهَ الناس، ولما كان الزحام كبيرا قررت جماعة الدير الصغيرة إنشاءَ أبنيةٍ أُخرى جديدةٍ على الطراز القديم البسيط لاستضافة الزوار والحجاج.
تقدمنا لندخل الدير مع الراهب الذي أخذ على عاتقه مهمة مرافقتنا، كانت التجربة تشعرك أنك تدخل لرحم صخرة صغيرة فتفاجئك الرحابة في الداخل، أضواء الشموع كانت كافية لتظهر على الجدران تلك النقوشُ التي تعود إلى القرنين الحادي والثاني عشر والتي كانت مغطاة قبل الترميم.
سمعت صوت الصلاة باللغة العربية وكانت الطقوس الدينية تمارس على الطريقة، على الرغم من أن الرهبان والراهبات من جنسيات إيطالية وسويسرية وفرنسية وسورية.
قال لنا دليلنا:"إن الصحراء لها طابع خاص من الروحانيات، والصلاة في الصحراء شيء يفوق الخيال".
ومثلما يأتي المسيحيون إلى هنا يأتي المسلمون ، فالأفق الذي أعلنته هذه الجماعة لنفسها هو أُفقُ‮ ‬العلاقةِ‮ ‬الإسلاميّة‮ ‬المسيحيّة. أضاف دليلنا " ‬لم‮ ‬تكنْ‮ ‬دائماً‮ ‬العلاقةُ‮ ‬بين‮ ‬المسلمين‮ ‬والمسيحيين ‬سهلةً‮ ‬في‮ ‬ما‮ ‬مضى، ‬ولا‮ ‬تزال‮ ‬مؤلمةً‮ ‬و‮ ‬صعبةً‮ ‬في‮ ‬أماكن‮ ‬عديدة‮ ‬من‮ ‬العالم، ‬وهذا‮ ‬الأفقُ‮ ‬جزءٌ‮ ‬لا‮ ‬يتجزّأ‮ ‬من‮ ‬الدعوة‮ ‬الروحيّة‮ ‬لدير‮ ‬مار‮ ‬موسى".‬
فقد تحول هذا المكان خلال وقت قصير إلى مركز حوار لخِدمةِ‮ ‬التّفاهمِ‮ ‬بينَ‮ ‬الأديان ‬و‬تعميق‮ ‬التعاون‮ ‬الثقافيّ‮ ‬والدينيّ. ‬
"إن روحانياتنا المشتركة تعتمد على بساطة الحياة والسلام والاعتراف بالإسلام والمسيحية كديانات سماوية، وان تعدد الأديان هو سر من أسرار البشرية"
يقول رئيس دير مار موسى الحبشي الأب باولو دالوليو: "الجماعة التي اختارت هذا المكان تجتمع حول ثلاث أولويات: البعد الصوفي التأملي، الخبرة الروحية الرهبانية، العمل اليدوي والمسؤولية الاجتماعية والبيئية، والضيافة الإبراهيمية, وبالضيافة نحن نقصد التقارب الإسلامي المسيحي بالدرجة الأولى، أبناء إبراهيم أجمعين"
نظر إلي صديقي نظرة المنتصر"ألم أقل لك أن سورية مقدر لها أن تكون العقدة التي تربط العالم ببعضه، جاء موسى الحبشي من افريقيا إليها وجاء باولو الايطالي من أوروبا إليها، وهاهنا ترى المسلمون والمسيحيون يتصافحون على قمة جرف صخري ناء تحيط به الصحراء والجبال، لكنه يصل الشمال والجنوب ببعضهما مثلما يمد يده للشرق والغرب"
خرجنا من الدير، إلى الأبنية المجاورة، كان تدفق الزوار المستمر قد جعل جماعة الدير تبني بيوت صغيرة حوله حتى تحول المكان لضيعة تكبر كل يوم، لكنها ضيعة تنفصل عن الحياة المدنية الحديثة، وتختار العيش بتقشف ومحاولة تأمين غالبية متطلبات الحياة اليومية من اقتصاد الطبيعة، بالعمل اليدوي اليومي والنقي، فالحياة هنا تعتبر بسيطة للغاية، حيث أنهم اختاروا عيشة الفقر لأنفسهم وهم يمارسون الفلاحة ويربون الماعز والنحل.

لكن ذلك لم يمنع وجود بعض التقنيات مثل الهاتف وجهاز الطاقة الشمسية والتلفريك لنقل الأغراض ومكتبةً تتجدد باستمرار بالكتب الحديثة المتنوعة من مختلف اللغات، لخدمة‮ ‬الباحثين‮ ‬والمدرّسين‮ ‬في‮ ‬ميدان‮ ‬الحوار‮ بين الأديان.

حلت ظلمة الليل وفي الأفق كنت أميز بصيص الأنوار الشاحب، لم يعد لليل أسرار أو مخاوف، نمت بسرعة وبهدوء طفل صغير وجد سكينته في حضن الطبيعة وسلام الروح، كنت أردد قيل أن أغفو" لن أصف الإنسان بعد اليوم بالكائن الضعيف"
‬في الصباح بدأت رحلة العودة، لم نتكلم كثيراً، لكن الأعين كانت تشع بما لا يستطيعه الكلام، كان قطيع الماعز يرعى على سفح الجبل وإحدى العنزات الأكثر جرأة من رفيقاتها تقف على نتوء صخرة عالية جداً، تساءلت كيف وسلت إلى هنا وهل تستطيع العودة...
كنت أحتاج إلى مثل هذه الجرأة، وأعتقد أني وجدتها، فأمام وجه الأرض المشتكية من أبنائها، وفي لحظة مثل هذه تستطيع أن تلمس يديك كلمة الحياة وعندها تتلقى تلك القوة التي ستملؤك إذا ما آمنت بها.
في طريق العودة كنت أمشي في آخر المجموعة، لم أكن تعباً، لكني عرفت أن علي أن أرى كل ما هو حولي: " الحياة هي الطريق أما النهاية فهي بداية طريق آخر"
راما نجمة- المجتمع الاقتصادي


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...