Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
ساحة المرجة... عندما يكون فقدان الذاكرة ضرورة للبقاء

 
في كل مرة أقول لسائق التكسي أن يذهب بي إلى المرجة، حيث مقر المجلة، أشعر أني في مشهد سينمائي لا يكتمل، فالسيارة لا تصل أبداً إلى هناك...
فعلى ما أتذكر، أو ربما على ما أعتقد، المرجة هناك... في مكان لا يشبه بقية الأمكنة... في زمن من طفولة دمشق، من لعبها وبراءتها وأحلامها المرمية على قارعة مئة عام من الانتظار.
مئة عام، تختصر نفسها، وتختصر دمشق اليوم، في تحولات الساحة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية... تحولات غير مكتملة، غالباً ما بترت أعضاؤها، ومحيت تفاصيلها.
مئة عام فاقدة لذاكرتها، ربما لأن فقدان الذاكرة يصبح في لحظة من التاريخ غير المكتوب، شرط للبقاء.
في عام 1907 أي قبل مئة عام من الآن وبمناسبة افتتاح خط البرق القادم من اسطنبول إلى دمشق إلى المدينة المنورة، أقيم نصب تذكاري هو العمود الشهير "عمود المرجة"، ونحته فنان إيطالي من البرونز، لتلتف عليه أسلاك البرق من الأسفل حتى الأعلى، ويحمل في أعلاه قاعدة مربعة تحتوي على أربعة "سبل" للمياه وبُني عليها مجسم لجامع هو الأصغر في العالم، يمثل نموذجاً دقيقاً لجامع يلدز في العاصمة اسطنبول، وجاء هذا العمود متزأمناً مع إطلاق الخط الحديدي الحجازي ومحطة القطارات المجاورة لساحة المرجة، ليصبح رمزاً من رموز العاصمة الأقدم في العالم.
وعندما أقيم النصب التذكاري في وسط الميدان الكبير، كما كانت تسمى ساحة المرجة كان ذلك تأكيداً لأهمية هذا الميدان ومركزيته، السياسية والاقتصادية خاصة، فالميدان ومنذ تأسيسه، قبل مئتا عام بالضبط، سحب البساط الشرعي من مقر المشيرية، ليجعل المركز الحكومي الذي تدار منه دمشق وبلاد الشام معها في ساحة المرجة، في تمرد لافت على دمشق القديمة، وما يعني ذلك من تمرد على أسلوب الحكم القديم وتأسيس نمط جديد لتجارة الأمويين.
وكان والي دمشق كنج يوسف باشا هو من بنى قصراً سنة 1807 خارج سور دمشق، وعلى ذلك المرج الأخضر، تاركاً مقر المشيرية، ومتحدياً قصر الوالي أسعد باشا، وقصر العظم المحبوسين داخل الأسوار... قرر الوالي أنه ليس مجرد والي، بل حاكم، عليه أن يحكم الرعية، فخرج بقصره من وسط بيوتهم، في رسالة لأهل دمشق، أن يرضوا بحاكم ليس منهم.
لكن الدمشقيين، كانوا أذكى من أن يقرؤوا الرسالة، فتجاهلوها، وخرجوا بتجارتهم وبضائعهم خلفه، فقاموا بتغطية النهر لتصبح المنطقة ميداناً فسيحاً سهلت فيه حركة القوافل والنقل، وتمركزت فيه بعض الفعاليات التجارية، بعد ذلك بنيت دار البلدية الذي جرى فيه إعلان استقلال سوريا، ودار البرق والبريد ودار العدلية وبناء السجن ودائرة الشرطة والمستشفى الوطني وكانت بمجموعها نواة مركز المدينة، ولتصبح الساحة رمزاً لتوسع العاصمة ولتموضع النشاطات الاقتصادية والسياسية والإدارية.
وفي عام 1900 نهض بناء الحكومة السرايا الذي أصبح مقراً للولاة، ثم صارت مقراُ للحكومة العربية في العصر الفيصلي 1920، واستمر مقراً لرئاسة الوزراء حتى بداية الستينات.
والمأساة الحقيقية، أن كل هذه الأبنية هدمت ولم يبق منها إلا السرايا التي خصصت لوزارة الداخلية، وما تزال، وبدلاً عن هذه الأبنية، صعدت "أبراج" دمشق والفيحاء، ومجمع يلبغا الذي ظل كتلة باطونية صماء منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وما زال.
وبدلاً من البريد، رمز التطور التقني، والترامواي، رمز عجلة الصناعة، تحلق حول الساحة، أسواق تعيسة مثل سوق الطيور والسمك والتبن والحبال وغيرها، وامتلأ محيطها بمقاهي الدرجة العاشرة وفنادق الربع نجمة.
 
وكما تؤرخ الساحة دمشق عمرانياً، تحتفظ بسجل سياسي حافل، ففي هذه الساحة علّق جمال باشا مشانق شهداء أيار 1916، وقريباً منها حيث رشق اللورد بلفور بالحجارة وطرد من فندق فيكتوريا الذي نزله، كما شهدت إعدام أبطال الثورة السورية الكبرى (1925 ـ 1927)، الذين كانت فرنسا تلقي بجثثهم في ساحة المرجة كما يقول المؤرخ الدكتور قتيبة الشهابي ومنها انطلقت التظاهرات المطالبة بالاستقلال، لكن اسم "ساحة الشهداء" الذي أعطي للمرجة، لم يصمد في زمن الاقتصاد الموجه، حيث سخرت إمكانيات الساحة ومركزها وسمعتها لصالح اقتصاد الليل.
لكن بقي للنهار رجالاته على اختلافهم، فالمرجة تجمع كل الأضداد والتناقضات، من المتسول حتى بائع البسطة وأصحاب محلات الفول والفلافل، والحلو العربي، والمترجمين المحلفين مروراً ببياعي اليانصيب ومعقبي المعاملات وتجار العملة الصعبة وسماسرة الفنادق وباعة أجهزة الخليوي المسروقة وصولا للمحامين والوكلاء التجاريين، إلى أصحاب الشركات الكبرى، والمكاتب التجارية العابرة للقارات... وحتى عمال المياومة والعاطلون عن العمل المستلقين تحت النصب الذي يحتفل بمئويته، ولا أحد يحتفل به.
وكون المرجة تشكل قلب دمشق، ظلت لعقود في القرن الماضي المكان الرئيسي لانطلاق حافلات النقل الجماعي حتى أن الساحة تؤرخ عبر ما مر عليها من آليات حركة النقل الداخلي والخارجي في دمشق. فبعد انتشار عربات الخيل (الحنتور)، أصبحت المرجة محطة لعربات الخيل لتنقل الناس إلى أحيائهم، وكانت هذه العربات تقف حول الحديقة الصغيرة، كما أن المرجة شهدت دخول الترام أو الحافلة الكهربائية (الترامواي) إليها سنة 1907، ومن ثم السيارة التي دخلت إليها عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكان تسمى (أوطونبيل)، إلى جانب سيارات الأجرة الكبيرة التي كانت تؤمن السفر إلى خارج المدينة وتعرف بالبوصطة، ثم حافلات النقل الداخلي ضمن المدينة وفي خمسينات القرن الماضي أصبحت المرجة المكان الرئيسي لانطلاق (تكاسي) السفر الجماعي إلى جميع المدن السورية فكان جميع السوريين القادمين إلى العاصمة دمشق يحطون رحالهم في ساحة المرجة، ولذا انتشرت فيها الفنادق الكثيرة.
تقتات الساحة اليوم، على موقعها في وسط دمشق، هذا كل ما بقي لها، بعد أن اعتزلها النشاط الاقتصادي ذي الطابع الثقافي الذي احتفل بها سابقاً، فأسس فيها أول دار سينما وهي زهرة دمشق (سينما باتيه) وعرض فيها أول فيلم سوري، ومن ثم تأسست سينما الاصلاح وسينما الكوزموغراف وسينما غازي وسنترال وفاروق والنصر ومن أكثر من عشر صالات سينما، لم يبق سوى اثنتان واحدة مغلقة، كما شهدت المرجة ولادة المسارح الدمشقية، ومنها مسرح زهرة دمشق والنصر ومسرح القوتلي، ولم يبق فيها اليوم أي مسرح.
لم تصمد إلا بعض المقاهي، كمقهى الكمال وعلي باشا والورد، وكثير من الفنادق، كفندق الجامعة العربية، وفندق خالد، وفندق بيروت، والفندق السعودي.
لكن كل هذه الفوضى، جعلت الساحة، باردة العواطف، بلاهوية وعصيّة على أي تماهٍ معها، مكان يلوح في كل لحظة بمفارقاته الخاصة، خليط من كل أنواع الاقتصاد، اشتراكي على رأسمالي، على مشاعي، على فوضوي...
ساحة المرجة، تبرهن بما لا يدع مجال للشك، على أن الخصوصية السورية، واقع وليست محض خيال، وأن سورية لم تكن يوماً اشتراكية، ولم تصبح حتى الآن على الأقل، اقتصادية السوق والهوى... خصوصية التباس تبدو وكأنما هي نزوع اختياري إلى اللاتعريف، رغبة براغماتية في تفريغ المصطلحات من جدواها، لتصبح قيمتها صفراً، على أرض الواقع، حيث استمر المال بوضع قوانينه الخاصة.
فقدت الساحة وجهها، وأصبح قناعها كمهرج السيرك، مليئاً بالخربشات، وقادراً على إضحاك المارة، رغم مرارة الواقع، إذا ما لمعت في لحظة، الذاكرة الممحية.
تخلت المرجة عن أهميتها وتجاوزها الزمن وأصبحت نموذجاً فادحاً لثقافة "خود وهات" لكن السوريين وفي أعيادهم القومية يتذكرونها ويغنّون لها "لاقونا عاالمرجة والمرجة لينا.. شأمنا فرجة وهي مزينة" ربما كآخر الذكريات الباقية... وربما كتعويذة عل الساحة تعود يوماً.
راما نجمة- مجلة الاقتصاد والنقل


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...