Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
سوق الهال... الدجاجة السوداء تضع ذهباً أيضا

ً

 

راما نجمة

لم أعتقد أبداً أن لؤي قد يتعرف إليّ، لأني ببساطة لم أتذكره... التقطني من مدخل السوق، وسألني... ألست صحفية...؟

ترددت قليلاً قبل أن أعترف بهويتي... فأرجعني لؤي إلى أكثر من سبع سنوات... كنت خلالها أعمل على مشروع تخرجي... وكان فيلم مصور عن عمالة الأطفال... وكان لؤي بطل الفيلم دون منازع... ابن عشر سنوات يعمل ويأكل وينام... هنا في أكثر الأسواق قسوة وتعقيداً واضطراباً... سوق الهال... كان قد بدأ منذ ذلك الوقت عمله الخاص... فقد كان مع ثلاثة من أبناء عمره "عصابته" كما حلى له أن يردد أثناء تصوير الفيلم، يقومون بالتقاط الفواكه والخضار التي تقع أثناء نقل الصناديق من الشاحنات إلى محال السوق، ويجمعونها ثم يعيدون فرزها وبيعها... وأثناء ذلك كان عليهم أن يتفادوا ضربات التجار والعتالين والمزارعين وحتى السائقين... الذين يتبارون في الركض وراءهم... لكن لؤي كان يفاخر بأن أحداً لم يستطع إمساكه مرة...

ولت تلك الأيام... وأصبح لؤي عتالاً.... انضم إلى نقابة العتالين في السوق وأصبح عمله "نظامياً" ولم يعد أحد يركض خلفه... يضحك ثم يقول "لم أعد أستطع الركض أيضاً... بسبب الدخان".... حتى أن لؤي واحد من القلائل الذين لا يتشاجرون مع الأطفال الجدد الذين أخذوا عمل لؤي القديم وأصبحوا يجيدونه أكثر منه...

سألته باستفزاز: "كنت تقول أنك ستصبح تاجراً... تشتري وتبيع؟ ماذا حدث؟"

أجاب ضاحكاً: "طلعت القصة صعبة... بدها فت خبز وشغلات تانية".

الساعة التاسعة صباحاً.... تأخر الوقت وشارف يوم العمل على الانتهاء.... يبدو أنني وصلت متأخرة، فسوق الهال هو السوق الوحيد الذي يعمل 24 ساعة متواصلة قد تتخللها ساعتان صباحيتان فقط من الهدوء النسبي...

700 محل في سوق الهال، تعلن لك عن بضائعها بقوة تصل حد الوقاحة، ألوان الخضار المغبرة، والصناديق المتراكمة، تروج لنفسها باعتبارها الأرخص، أما رائحة الأسماك و اللحوم ومخلفاتها والأوساخ المنتشرة في كل مكان والذباب، وازدحام 3400 شاحنة ومبردة تدخل السوق يومياً، فتكاد تقنعك بالعزوف عن ولوج السوق، وستفكر مرتين قبل أن تأتي ثانية إلى هذا المكان، لكن على الرغم من الرائحة فإن ما يشفع لهذا السوق طزاجة محتوياته وتنوعها، إضافة إلى سعرها الذي يقارب سعر الجملة.

لا يبدو السوق كبيراً مع أن مساحته تزيد عن نصف هكتار، فرغم أنه مخصص للخضار والفواكه إلا أنها لا تحتل سوى ربع مساحته فيما تشغل سوق اللحوم أكثر من ثلثه، أما الباقي فتشغله، (للغرابة)، معامل الحجر والرخام وورش الصناديق الخشبية...

الضجيج أكبر من أن يحتمل خاصة في المدخل الجنوبي حيث تصطف الشاحنات لإنزال حمولتها، والصراخ يحتل المساحة الصوتية لجميع الحاضرين، "الخلاف على القبان كل يوم"، يقول أبو منير موظف المؤسسة العامة للخزن والتسويق، مؤكداً أن قبان المؤسسة هو الوحيد النظامي والذي لا يجري التلاعب فيه... مع ذلك يمكن بسهولة ملاحظة أن المؤسسة أقل اللاعبين مهارة في السوق، اللاعبين الكبار في السوق يمكن لأي أحد أن يعدهم بسهولة أما البقية فهم تجار صغر "على قدهم" كما يقول لؤي...

لا يمر يوم دون مشاجرة عنيفة، ودون أن تأتي سيارة إسعاف نقل المصابين... دون أن يؤدي ذلك إلى إنشاء مستوصف كامل التجهيزات داخل السوق.

أعنف الشجارات حدثت أوائل هذا العام في مكتب اللجنة النقابية لعمال الخضار والفواكه وتطورت لتصل إلى استعمال السكاكين والمسدسات والتي أدت بتفاصيلها إلى وقوع جرحى بين المارين وأعضاء النقابة، وبينهم رئيس اللجنة  محمد زياد الرز، نتيجة خلاف "بسيط" بين التجار.

الخلافات هي الخبز اليومي في السوق، خلافات بين المزارعين والتجار، وبين التجار والسائقين وبين السائقين والعتالين، وبين مؤسسة الخزن ولجنة السوق، ورغم أن تجار سوق الهال، هم أكثر رجال الأعمال في سورية، بعداً عن دائرة الضوء، لكنهم وكما يؤكد واقع الحال أكثر رجال الأعمال تأثيراً ونفوذاً...

عندما اشتعلت الأسعار هذا العام، وُضع هؤلاء بقفص الاتهام، وقيل أنهم حيتان، يسيطرون على السوق بشكل مطلق يتقاسمون الاحتكارات، ويتحكمون بالأسعار، حتى أصبحوا قوة لا يمكن تجاوزها، لكن التجار ردوا عبر لغة الاقتصاد وقالوا أن من يحدد بالأسعار هو السوق العالمي وحركة الاستيراد، وأيضاً... الأحوال الجوية.

أما مؤسسة الخزن والتسويق، فهي على هامش السوق، وليست أحد تجاره، بل تكاد تصبح أحد أسماكه الصغيرة التي تهددها السمكة الكبيرة، رغم أن  المؤسسة تمارس عملها في سوق الهال بأسلوب تجاري وفق تعليمات وزارة الاقتصاد كما يقول مديرها نادر جابر عبد الله مضيفاً بأن المؤسسة تسعى لخلق توازن في الأسواق وتخفيض الأسعار واستجرار المواد من المنتج مباشرة أو استيرادها...

لكن على ما يبدو فإن العمل في سوق الهال، لا تكفيه العقلية التجارية، بل يحتاج إلى الأيدي الأخطبوطية، ويكفي أن نعرف أن المؤسسة تكاد تكون الجهة الوحيدة التي تقوم بفوترة كافة المواد المشتراة والمباعة وفق النظام المحاسبي النظامي.

وفي نهاية شهر نيسان الماضي، قامت المؤسسة بخطوة ثورية، فعمدت على الشراء من المنتج مباشرة لاغية بذلك دور تجار سوق الهال في حلقة تحديد السعر، وكان أن أظهر التجار معارضة شديدة لتدخل الدولة في ما يعتبرونه سوقهم الخاص، هذه  المعارضة وصلت إلى حد تهديد مدير مؤسسة الخزن والتسويق في حال استمر في شراء الخضروات من المزارعين حسب ما نقلت جريدة رسمية، وبالتزامن مع ذلك قامت لجنة التموين بتشميع القبان الالكتروني لمؤسسة الخزن وأوقف عن العمل بحجة التلاعب بالميزان... أهل السوق قالوا أن ذلك كان رسالة واضحة للمؤسسة بأن عليها أن تبق خارج اللعبة...

الفوضى هي النظام المتبع في السوق بما أنها فوضى منظمة، فرغم أن الحديث عن القانون... أي قانون يكاد يكون منسياً، إلا أن السوق يستمر بفعل محركه الذاتي "المال"، والدورة الاقتصادية الكاملة فيه، المنتج، تاجر الجملة، وتاجر المفرق، إضافة إلى القشيعة والسائقين والعتالين، فالسوق يؤمن أكثر من عشرين ألف فرصة عمل، كما يؤكد محمود الحاج أمين سر اللجنة النقابية لعمال الخضار والفواكه في سوق الهال.

السوق يقود نفسه بنفسه، نظرية اقتصادية يثبتها سوق الهال، تتجاوز بواقعيتها حتى نظريات الليبرالية الجديدة، فالرقابة ضائعة سلفاً، ودورية البلدية تمر مرور الكرام مرة أسبوعياً في يوم الخميس تحديداً، كما يذكر عبد الله الحلاق، أحد أصحاب المحلات، إلى جانب غض النظر، عن التعدي على الأملاك العامة والبروزات في الطوابق المخالفة ووضع اليد على مواقف السيارات وتواجد الشاحنات غير السورية في السوق، والوقوف في الأماكن الممنوعة، وحدث دون حرج عن النظافة والتلوث، والفواتير غير النظامية... وامتناع التجار عن تسطير الفواتير وإعطاء الأولوية للتصدير، فيما يبدو أن الجملة الشهيرة "الفلاح هو الحلقة الأضعف" تبقى صالحة سواء في النظام الاشتراكي أم في نظام السوق الاجتماعي...

حتى تعبيد الشوارع وإصلاح الصرف الصحي، ومد المزيد من خطوط الكهرباء فهي وعود مستمرة منذ تأسيس السوق في أول الثمانينات، قبل ذلك كان السوق الرئيسي الذي يسمى اليوم سوق الهال القديم يقع بين سوق ساروجة وشارع الملك فيصل، وأنشئ عام 1928، وفى سبيله هدم مسجد لالا باشا القديم وأعيد بنائه في شارع بغداد سنة 1936، وكلمة الهال فرنسية وبنفس اللفظ (La halle ) وتعني السوق العامة للخضار، حسب ما جاء في كتاب معالم دمشق التاريخية لأحمد الابيش وقتيبة الشهابي.

اليوم، أحاط المد العمراني والبيوت المخالفة بمحيط السوق الجديد حتى أصبح من المستحيل التوسع في مساحته ناهيك عن مشاكل الازدحام الخانق نتيجة لتجمع الشحنات المحملة بالبضائع وقد ضاعت كراجاتها ووضعت عليها اليد، قبل أن تبنى، لذا تم ومنذ خمس سنوات تم اقتراح سوق في منطقة الدوير في عدرا مساحتها 1300 دونم ، إلا أن تجار سوق الهال عادوا وتحفظوا على الموقع لقربه من مقالع الكسارات ومعمل الاسمنت والمدينة الصناعية ومحطة معالجة الصرف الصحي إضافة لوجود خطوط لكهرباء التوتر العالي تمر بجزء منه.‏

واتجهت الأنظار جنوبا فتم الاتفاق على أرض لأملاك الدولة في منطقة خيارة دنون قرب الكسوة، مساحتها 1000 دونم وطالب التجار من خلال لجنة تسيير سوق الهال، وزير الزراعة تخصيصها وتم ذلك بقرار من رئاسة الوزراء.

لكن التجار انقسموا إلى فئتين فئة تريده بالكسوة والثانية بعدرا، ورغم أن الخلاف الظاهري يقول أن كل تاجر يبحث عن خط نقل أسهل وأقصر لبضاعته، وأن الخلاف ينقسم بين تجار المنطقة الشمالية وتجار المنطقة الجنوبية إلا أن العالمين ببواطن الأمور يقولون أن الأمر أبعد من ذلك، فمع اقتراح الموقعين كان التجار قد وسعوا أعمالهم باتجاه العقارات واشتروا الأراضي المحيطة بالموقعين، بما أن إقامة سوق هال جديد في أي منهما سيرافقه ارتفاع بأسعار الأراضي المجاورة...

لجنة سوق الهال بدوما ومعها محافظة ريف دمشق وغرفة تجارتها يصرون على أن منطقة الدوير هي الأفضل وهي الخيار الوحيد، على حين لجنة سوق الهال بدمشق وغرفة تجارة دمشق استبعدوا اختيار سوق الدوير وشدووا على سوق خان دنون.

ويقول محمد العقاد من لجنة سوق الهال أن الحل يذهب اليوم باتجاه إنشاء سوقين أحدهما في أقصى شمال دمشق والآخر في جنوبها، أما مصير السوق الحالي فما زال معلقاً، وبين من يقول أنه سيبقى كمركز تخديمي لمدينة دمشق، فإن هناك من يهمس بأن خططاً لاستثماره "عقارياً" مخبأة بأدراج المحافظة ويستشهد بموقعه المتميز بوسط المدينة، ويشير إلى أن محافظة دمشق أعلنت عن مشروع سياحي موقع تنظيم غربي سوق الهال وهو عبارة عن فندق سياحي ومتمماته من مستوى خمس نجوم وتبلغ كلفته 36.640 مليون دولار.

وبين سوق الهال القديم والسوق الجديد، والسوقين الموعودين، لا يمكن إلا أن ترى سوقاً منسياً، ومعتماً، ومتروكاً لفضيلة قانون الغاب، هنا مكان مطوّب باسم الأقوى ولا مكان للضعيف...


 

تجارة وأعمال

 

 


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...