Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
عش الورور... وحكايته مع الدبابير

مشهد الرعب مرشح للتحول إلى فيلات مخملية

 

راما نجمة


لا يبدو أبو خالد رجلاً أربعينياً، ربما يكون في الخمسين أو الستين، انحناءته الواضحة، وأسنانه المتساقطة، تؤكد ذلك، لكنه يصر على أنه في الأربعين... مع ذلك لدى أبو خالد تسعة أطفال أنجبتهم زوجته في أحد عشر سنة...

في الغرفة الصغيرة التي تؤدي إلى غرفة أصغر منها، يعيش مع خمسة من أبنائه، زوجته مع اثنان من أولادها، عادت لقرية البلحية في محافظة دير الزور، "موطننا" كما يصر أبو خالد أن يسمي قريته، ناطقاً الكلمة باللغة الفصحى، ربما، تعبيراً عن احترامه لأرضه التي تركها في 1986 عندما لم تعد الأرض تطعم خبزاً كما يقول، أما ابنه الأكبر فقد "طفش" إلى لبنان، حسب تعابير أبو خالد نفسه.

لكن، هذا الرجل الأربعيني، ليس نادم حتى الآن على هذا الانتقال الدراماتيكي من البادية إلى العاصمة، "كل الأهل بيحسدوني أنو عندي بيت بالشام"، بيت أبو خالد هو جزء صغير جداً من حي "عش الورور"، أحد أكثر أحياء العشوائيات عشوائية.

للأسف فالحي لا يحمل من اسمه أي نصيب، فلا أعشاش ولا ورور، بل هو ربما أقرب إلى مشهد رعب، بإخراج سيء، حتى أنك لتتساءل في كل لحظة، متى سيزيلون الديكور؟ عل وجه الحياة الطبيعية يظهر ولو مرة.

ليست حياة طبيعية، لكنها حقيقية إلى حد بعيد...

إلى هناك رحلتنا...  إلى عش الورور... حيث تتكدس البيوت كعلب الكبريت في رزم مصفوفة في السفح المتهالك شمال شرق دمشق، بيوت كما أعشاش الطيور معلقة بهذا بالسفح الشرقي لقاسيون، بيوت يسكنها الفقراء، الفقراء فقط.

تصل الحي ماشياً على الأقدام، فآخر موقف للسرفيس يصل بك إلى برزة البلد، وهناك عليك أن تتم الطريق صعوداً، لتسجل الوصول في عشر دقائق للقمة، حيث تبدو دمشق جميلة كما تبدو دائماً من بعيد، "هذا هو العزاء الوحيد" كما يقول أحمد ابن العشرين الذي تبرع بأن يكون دليلنا السياحي هنا.

أحمد طالب في التاريخ "سنة أولى" وجاء للمنطقة من دير الزور أيضاً، فعش الورور كما هي حال معظم مناطق السكن العشوائي يضم فئة محددة من منطقة محددة، لذا يسطر "الديرية" عليه، حتى أنهم يبيعون الأراضي التي فيه، والتي ليست لهم للقادمين الجدد، بطريقة "وضع اليد"، أو "الاستيلاء".

بشكل رسمي يبلغ عدد سكان الحي 19854 نسمة، لكن بشكل غير رسمي فالعدد قد يتجاوز ثلاثة أضعاف، في داخل الحي يختفي مشهد دمشق ليبدأ مشهد آخر من البؤس والفقر، أطفال بلا أحذية يتراكضون هنا وهناك، تصريف مياه المجاري مكشوف وغير نظامي، أسلاك الكهرباء تتشابك فوق الأبواب المعدنية الصدئة، وخطوط التوتر العالي تمر فوق أسطحة المباني وشرفات البيوت وقرب النوافذ لتشكل مصائد حقيقية لكل من يقترب منها، لكنها، وبسبب أولويات الحياة، آخر هموم الساكنين.

مدرستين، وشبه مستوصف، والكثير الكثير من السوزكيات، فيما تظهر المفارقات المضحكة، فخطوط الهاتف لا تصل للحي، لكن تغطية سيريتل تعط نصيباً من "رفاهية" الموبايل للمساكين، فيما "الدشات" تعتمر رؤوس البيوت المهددة بالسقوط، وهو أمر يحدث كثيراً في هذه المنطقة، حتى أن بعض السكان يصفونه بالأمر العادي...

معظم الكهرباء الواصلة لهذه البيوت "مسروقة" أو كما يحلو للمؤسسة العامة للكهرباء بأن تسميها "مستجرة بطريقة غير نظامية، وفي بيانات المؤسسة السنة الماضية، ظهر أن هذه المنطقة تعد أكثر منطقة في دمشق "تسرق" الكهرباء، وتقدر المؤسسة حجم الكهرباء المهدورة في هذه المنطقة أو التي لا يتم تحصيلها بحوالي 10 ملايين ليرة سنوياً، بالمقابل، فوضع مياه الشرب ليس أفضل، فالمياه تنقطع لأكثر من خمسة عشر ساعة يومياً، والخزان الحالي أعلى من منسوب أي منزل في عش الورور، لكن مؤسسة مياه الشرب تقول أنها بصدد إنشاء خزان مياه جديد في عش الورور ضمن مشروع إعادة هيكلة شبكة مياه دمشق مؤكدة أن انتشار المخالفات العشوائية جعل البيوت أعلى من منسوب الخزان.

وفي الوصول لحارة الخزان، أعلى حارات "عش الورور"، وأغلاها، حيث تصل أجرة البيت إلى خمسة آلاف ليرة، وثمنه إلى نصف مليون، يمكن أن تشاهد بعض سيارات "الكيا" والمازدا" لكن السكان هنا لديهم معاناتهم أيضاً، فحارتهم تشهد الكثير من هدر المياه نتيجة لعدم وجود عدادات المياه حيث تسرح المياه في الشوارع، وتتسرب الرطوبة لجدران بيوتهم، فيما الحارات الاخرى تفتقد للمياه ويضطر القاطنون فيها للسير ما يقارب الكيلومتر لتأمين مياه الشرب.

أهل الحي لا يملكون وجود وسائل النقل الخاصة بهم حيث يعتمدون على ميكروباصات برزة البلد، طلاب المدارس في عش الورور يقومون بالرياضة الصباحية قبل الدوام نظراً لعدم توفر وسائل النقل أو لغلائها النسبي بالنسبة لأهاليهم وكذلك بُعْد المدرسة والطبيعة الجبلية القاسية في هذه المساكن... الوعد هذه المرة يأتي لسكان الحي من وزارة النقل، فهي تقول أن اتفاقاً مع شركة ايرانية، اذا ما كتب له النجاح، سيحدد خط نقا عام يمتد من عش الورور حتى شارع الثلاثين.‏

وبانتظار الوعود... يسكن الجميع بالتوكل على الله والخطر يحيط بهم في كل لحظة إما من الانهيار أو الصواعق الكهربائية أو انجرافات المياه أو الحرائق.

تبدو كل هذه المشاكل بسيطة، أمام "الخطر الأكبر"، الذي لم يكن يدري به أهل الحي، إلا بعد الزيارات المتكررة للخبراء الايطاليين وموظفي المؤسسة العامة للجيولوجيا، فالحي يقع على فالق دمشق أو ما يسمى "الكارست"، حيث تمتلئ المنطقة بالانهيارات والجروف الكارسية والكهوف التي كان لم يوفر السكان طريقة في استعمالها، من رمي القمامة والفضلات، إلى ملئها بالردميات إلى استثمارها كمخازن، وحظائر للماشية...

والجدير بالذكر أن تقرير المجموعة الإيطالية لدراسة الكارست، وصف المنطقة بأنها تعاني من "عدم استقرار جيولوجي" محذراً من أن "بعض المنازل في عش الورور بنيت فوق هذا النطاق المتأثر بالفالق" وأضافت أن "ما زاد في عدم استقرار المنطقة وتهديد سلامة السكان التأثر المباشر للفضلات المنحلة الناجمة عن السكان".

أما المؤسسة العامة للجيولوجيا فقامت بإنجاز دراسة متكاملة لمنطقة "عش الورور" تهدف إلى تحديد نطاقات المخاطر بالمنطقة والتي تمثَّلت في مناطق الارتفاعات وخطوط الفوالق وتحديد محاور الطرق المقترحة إضافة إلى تحديد ثلاثة مناسيب طبوغرافية تساعد التخطيط العمراني باعتمادها للأبنية المقترحة عند التنظيم.

ورغم أن أياً من مقترحات المؤسسة لم يحدث، إلا أننا نصل للكلمة السحرية "التنظيم"، وهي رعب جديد يعيشه السكان، فحي الورور مرشح لأن يتحول إلى حي للطبقة المخملية، واقتراحات تنظيمه تشمل، إزالة المنازل بشكل كامل، والبناء على القسم الذي يقع خارج نطاق التكهف، ومن ثم انتقال الحي من منطقة مخالفات وبلوك أسود وأزقة ضيقة، إلى منطقة "فيلات حمراء" و"شوارع بيضاء"، بسبب موقعه الخاص جداً وإشرافه على سهل دمشق، إضافة لقربه من العاصمة، ويمكن معرفة الموقع المتميز الذي يحتله حي الورور، في الليل، عندما تتلألأ الأضواء في الأرض المنبسطة الواسعة الممتدة تحته، الأرض التي اسمها دمشق ....

كان حي الورور مرة، منطقة خضراء يأتيها عصفور الورور مرة كل عام فيبني عشه ويرعى صغاره، ويغادرها تاركاً أعشاشه هنا، لكنه أصبح منطقة رمادية، كل شيء فيها ملوث وكئيب...

في بداية الثمانينات قام "احدهم" وكان يعمل مع مؤسسة الإسكان في منطقة "مساكن برزة" المسبقة الصنع بالاستيلاء على بقعة ارض على احدى التلال المجاورة طالما ان هذه الارض "للدولة" مقررا ان يبني بيتا لأسرته ويحضرهم من القرية التي لم يبق فيها إلا النساء والشيوخ، وما هي الا ايام حتى بنى البيت، أما من جاء بعده فأصبح "أشطر" منه ووجد شريكاً له، يضمن أن أرض الدولة "لن يسأل أحدد عنها"... بل يمكن المتاجرة بها، فأصبحت تجارة خاصة بالفقراء.

وحي الورور ما هو إلا عنوان عريض لسنوات سورية طويلة كانت فيها الهجرة إلى هنا، إلى العاصمة، قاعدة، لا يكسرها سوى الشك، بأن "الموطن" قد يطعم خبزاً مرة أخرى...

موجات الهجرة إلى العاصمة ترافقت مع نمو جهاز الدولة البيروقراطي و"المركزية" التي طبعت شكل النظام السياسي والاقتصادي منذ الستينات والسبعينات، إضافة لقلة الاهتمام بقيام مشاريع اقتصادية وخدمية في بقية المحافظات والارياف... سياسة اقتصادية كاملة ومتكاملة جعلت الحياة على هامش الحياة أفضل من الحياة في القرية النائية التي لا يصلها إلا ضوء الشمس، وجعل البقاء ضرورة حتى في سكن مخالف مهدد بالانهيار، أو الهدم.

كتب شاعر سوري:

"من بين أصحابي الكثيرين لدي:‏  صاحبان متميزان: صاحب (فوق) و‏ صاحب (تحت)‏

صاحبي الذي (تحت)، تحت؛ مع أنه يسكن عش الورور.‏ وصاحبي الذي (فوق) فوق".‏

 

 

 

 

 

 

 


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...