Aram Group Profile
 انطلاق حملة لنغسل التعب عن بردى
 بردى..مـا الخلـد الـذي وعــدوا بــه إلاّك!
العلم والمتعلمين... لا صورة نهائية في سوريا

العلم والمتعلمين... لا صورة نهائية في سوريا


تحقيق: موريس عائق

"حتى لو بدي أشحد... لازم آخد البكالوريا..."
الزواج هو المحطة التالية، بل هو المحطة الأهم التي يسعى ماهر محمود جاهداً للوصول إليها، رغم أن عمره لم يتجاوز الـ 18 عاماً!
الحل كان جاهزاً وبسيطاً بالنسبة إليه، الحل المتفق عليه على الأقل بين أقربائه وأقرانه. طبعاً ترك ماهر المدرسة بعد أن رسب في البكالوريا، وسلك طريق العمل ((لأن العمل ابتداء من هذه السن هو أقصر طريق للزواج...)) هكذا يقول ماهر. إلا أن حظه العاثر (حسبما يصفه أخوه الأكبر) قاده للعمل (office boy) في شركة للبرمجيات وأنظمة الكومبيوتر كان كل موظفيها حتى الاداريين منهم يحملون شهادة الهندسة...!
ماهر لا يعرف معنى الشعور بالدونية لكن العاملين في الشركة نجحوا في اقناعه بانه أقل شأناً منهم، وبأن (غير المتعلمين) أمثاله لا يفكرون إلا... في الزواج!
لكن بعد سنة من عمله في الشركة قرر أن يترك العمل ليحصل على (البكالوريا)
((حتى لو بدي اشحد... لازم آخد البكالوريا...!))
ماهر لن يترك عمله فقط للتخلص من شعوره بالدونية بل لأنه أيضاً بات على يقين من أن (حامل الشهادات) لم يعد (شحاداً) هذه الأيام، كما اعتاد أن يقول له أخواه الكبيران، وهاهو المثال أمام عينيه فهؤلاء المهندسين الذين يراهم كل يوم في الشركة يتقاضون معاشات (مخيفة) مقارنة بما يتقاضاه هو... ((رغم أنهم طوال الوقت يجلسون أمام الكومبيوتر... وشغل المكتب المتعب كله عليّ أنا...! إنهم يتقاضون ثمن شهاداتهم لا ثمن عملهم...!))
هل حظ ماهر (العاثر) فقط هو ما قاده إلى هذا القرار...؟ أم هو سعيه للتخلص من هذه الدونية؟ أم أن صورة أخرى راحت تلوح في الأفق يظهر من خلالها حملة الشهادات وقد تغيرت هيآتهم؟؟
صورة عتيقة؟!
"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"
(العلماء ورثة الأنبياء)
(اطلب العلم ولو في الصين)
لكن لم يعد كل ذلك هو ما يشكل صورة (حامل لواء العلم) هذه الأيام، إذ سيطرت ولسنوات طويلة صورة نمطية في المجتمع السوري عن المتعلم وعن غير المتعلم، كرسها الواقع أكثر مما دعمتها النظرية وكان العامل الأكبر في رسم هذه الصورة هو العامل الاقتصادي فالفقير يتعلم والغني يترك المدرسة ويعمل (أو بوجهة نظر أخرى من يستمر في التعليم يبقى فقيراً ومن يذهب للعمل فرصه أكبر ليكون غنياً)... العامل الاقتصادي لم يكن وحيداً قطعاً فالمتعلم في الصورة النمطية للمجتمع وبالإضافة لكونه فقيراً هو ابن الكتب والمدارس أما غير المتعلم فهو ابن الحياة، المتعلم نظري وتنظيري بينما غير المتعلم عملي وواقعي وميداني، المتعلم لا يمكن الاعتماد عليه في الحياة (ربما باستثناء اختصاصه) بينما ذاك يعتمد على نفسه ويعتمد عليه الآخرون فهو يفهم بأكثر من اختصاص. هذا يتأخر في الخروج من كنف والديه بينما ذاك يشب عن الطوق باكراً... هذا المتعلم متكلف و(بيحسبها كتير عَ الفاضي) وذاك تلقائي فج يلقي الكلام دون حساب... (بس مدبر راسو)
وحتى في الزواج المتعلم (شاباً كان أم فتاة) يتأخر بسن الزواج بينما الآخر يتزوج باكراً!
من يرسم الصورة؟
صورة المتعلم الهزيلة هذه لم تكن بغريبة عن صورة التعليم في المجتمع عموماً فالشهادات "لا تطعم خبزاً" بالعرف الاجتماعي، وبالتالي ستكون عبءاً ثقيلاً على من يريد أن يأكل الخبز... لكن أيضاً (غير المتعلم) الغني يختلف عن (غير المتعلم) الفقير، فالفقير ترسم له وعنه الصور وتأتيه جاهزة بينما الغني يتدخل في رسم صورته وصورة المتعلم  بقوة ثروته، بل يتجرأ باستمرار على (تشويه) أو محاولة تشويه صورة المتعلم... فالغني غير المتعلم يرسم للفقير المتعلم صورة من يريد تعويض فقره بالتعليم، أي الشهادة بحسب الغني الذي لا يحملها هي التعويض (المقدور عليه) بالنسبة للفقير... ورغم كون الممسكين بأدوات رسم الصورة النمطية المجتمعية عموماً من المتعلمين (أجهزة ووسائل الاعلام وأساتذة الجامعات والمعاهد والمدارس...) إلا أنهم لم يستطيعوا أن يتغلبوا على قوة العامل الاقتصادي الذي يرسم لهم صورة ملتصقة بالفقر... (وإذا أستاذ جامعة، المهم شو بيطالع بالشهر) لا بل حمل الكثير من المتعلمين قناعات مفادها أن عدم التعليم هو ضريبة مقبولة (نوعاً ما) للغنى والثراء... وبذلك بدأ المتعلمون وحملة الشهادات أنفسهم يجدون مبرراً لأولئك الذين (دفعوا الضريبة) في سبيل أن يكونوا أغنياء! وربما تمنوا أن يكونوا مكانهم أحياناً...
صور محطمة
إلا أن تلك الصورة التي سادت سنوات طوال، أصابها اليوم شيء من الغباش وربما تماهت ألوانها من جديد، إذ لم يعد المتعلم وحامل الشهادة (فقيراً) افتراضياً ولم يعد الغني ضعيف التحصيل العلمي أيضا... فما الذي تبدل؟
الذي تغير أن العلم اليوم بات يحتاج أكثر إلى المال والمال بات يستطيع أن يجلب العلم، ومع خطوات الانفتاح الاقتصادي (وهنا مرة أخرى يكون العامل الاقتصادي هو المحرك) نشأت مجموعة من شركات القطاع الخاص الكبرى في قطاعات الاتصالات والبنوك وشركات التأمين والخدمات، تشغل أعداداً من الموظفين وتشترط أن يكونوا من حملة الشهادة الجامعية كحد أدنى... ورغم أن أعداد أولئك الموظفين من الشبان والشابات لا يشكل رقماً كبيراً أمام مئات آلاف المتعطلين عن العمل، إلا أن الأسماء البراقة واللمّاعة للشركات اللاتي يعملون بها والمعاشات المرتفعة (طبعاً بالمقارنة مع المعاشات الحكومية الرائعة أو مع معاشات الشركات المتوسطة والصغيرة في القطاع الخاص) تجعل منهم أعلاماً في محيطهم الاجتماعي يقبعون تحت الضوء فيما البقية الباقية والآلاف المؤلفة لا تزال في الأجزاء المعتمة من الصورة وباتت الوظيفة في إحدى الشركات العملاقة، حلماً من أحلامهم، وبالتالي باتت صورة حامل الشهادة ليست بتلك القتامة. وما زاد في اهتزاز معالم الصورة التقليدية العتيقة هو ظهور أعداد أخرى من رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمستثمرين في القطاع الخاص من ذوي التحصيل العلمي العالي والذين يحملون قبل أسمائهم، اللاحقة (د) واللاحقة (م) واللاحقة (أ)... وهم من يستأثرون بأضواء الإعلام. وفي الكثير من القطاعات الحكومة أيضاً تراجعت (نسبياً) الانتماءات الحزبية لصالح التحصيل العلمي العالي عند اختيار الأشخاص للمناصب الادارية الرفيعة، فتلك الوزارة يترأسها هذا الدكتور، خريج جامعات أوروبا... وهذه المؤسسة العامة على رأسها الدكتور المهندس الأستاذ في جامعة دمشق... فهل ينفع كل ذاك في زيادة بريق التحصيل العلمي العالي؟  وهل اهتزت مقولة (الشهادة لا تطعم خبزاً)؟ أم أنها باتت اليوم الحد الأدنى لأكل الخبز وربما في بعض الأحيان تطعم بقلاوة.
 الصحفي البريطاني جورج.ب زار سوريا منذ سنتين ليعمل على دراسة الرموز السورية الدينية والسياسية والاجتماعية. لكنه بعد أن أنهى زيارته لم يجد أي صورة مكتملة ولا أي صورة صلبة الملامح فألف كتاباً عن سوريا أسماه (صور محطمة) وقال في مقدمته:
"لا صورة مكتملة ولا صورة ثابتة ولا صورة نهائية في المجتمع السوري...!؟"


 

 
 

"تقترب أسعار الشقق في المالكي والمزة، من أسعار نظيراتها في باريس ولندن، ويبلغ سعر الشقة نحو 90 مليون ليرة سورية.!"

تتمة ...
   
 
"مسَجلي..اعملي مس كول...بشوفك على الماسنجر...لازم يكون في بينا كونتاكت...ابعتلي ايميل.."
تتمة ...
   
 
أيها المواطن الشاب المتسكع مساءً في الغساني والشعلان، وأنت أيها المواطن المنتظر صباحاً لفرصة عمل كعامل مياوم، أنت المواطن الذي تقف أربع ساعات على أبواب السفارات،
تتمة ...